من خنادق الجبال إلى أروقة المؤسسات رحلة التحول البنيوي في الاتحاد الوطني

الآراء 10:26 AM - 2026-07-01
شادمان الدركلي PUKMEDIA

شادمان الدركلي

الاتحاد الوطني

منذ انبثاقه عام 1975، لم يكن الاتحاد الوطني الكوردستاني مجرد إطار حزبي نشأ في لحظة سياسية عابرة، بل مثل مشروعاً سياسياً وفكرياً سعى إلى إعادة صياغة مسار الحركة القومية الكوردية، وتقديم نموذج مغاير للأطر التقليدية السائدة آنذاك. واليوم، بعد عقود من الصراع والتحولات، يجد الحزب نفسه أمام منعطف تاريخي جديد، يتمثل في الانتقال من إرث الكفاح المسلح وشرعية الثورة، إلى بناء مؤسسة سياسية حديثة تستند إلى الكفاءة والإدارة، ومركزية القرار.
جذور التأسيس
نخبة الجبل وشرعية النضال
جاء تأسيس الاتحاد الوطني الكوردستاني بقيادة الرئيس الراحل جلال طالباني في مرحلة إقليمية ومحلية معقدة، اتسمت بالانقسامات والتحديات المصيرية. ومنذ بداياته، اتخذ الحزب طابعاً مختلفاً، إذ استقطب شريحة واسعة من المثقفين والأكاديميين والفنانين والكوادر المتعلمة، ونجح في صياغة خطاب سياسي أكثر انفتاحا ومرونة من كثير من التنظيمات التقليدية.
في مرحلة (شاخ) أو (الجبل)، لم يكن السلاح مجرد أداة مقاومة، بل كان مصدراً للشرعية السياسية ورمزا للصمود القومي. ومن خلال تلك المرحلة، استطاع الاتحاد الوطني أن يرسخ حضوره الشعبي، وأن يفرض نفسه رقماً أساسيا في المعادلة السياسية الكوردستانية، رغم التنافس الحاد مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
من الثورة إلى الدولة
اختبار ما بعد 1991
شكلت انتفاضة عام 1991 نقطة تحول مفصلية في تاريخ الحزب، إذ انتقل بصورة مفاجئة من العقلية الثورية إلى مسؤولية الحكم، ومن إدارة الجبهات العسكرية إلى إدارة المدن والمؤسسات والخدمات العامة. وكان هذا التحول البنيوي بالغ الصعوبة، لأن أدوات النضال تختلف جذرياً عن أدوات الدولة.
ففي الجبل، تدار الأمور بمنطق التعبة والانضباط، أما في مؤسسات الحكم تدار بالقانون والخبرة الفنية والتخطيط الإداري وتقديم الخدمات. وهنا ظهرت فجوات تنظيمية وإدارية داخل الحزب، بالتزامن مع صعود منافسين امتلكوا قدرة أسرع على التكيف مع متطلبات السلطة وإدارة الموارد.
غياب الرمز الجامع وأزمة التوازن الداخلي
شكل رحيل الرئيس جلال طالباني محطة فارقة، ليس فقط بوصفه مؤسس الحزب، بل لأنه كان الشخصية القادرة على جمع التناقضات واحتواء الأجنحة المختلفة داخل إطار واحد. فقد كان مام جلال يمثل أكثر من زعيم سياسي، كان مرجعية توافقية وضمانة للاستقرار الداخلي. وبعد غيابه، برزت تعددية مراكز القرار، واشتدت المنافسات الداخلية، وظهرت تباينات بين الأجنحة السياسية والتنظيمية، ما أفضى إلى حالة من الارتباك البنيوي انعكست على الأداء الانتخابي والثقل السياسي للحزب داخل العراق وإقليم كوردستان.
حقبة بافل طالباني
إعادة هندسة الحزب
في المرحلة الراهنة، تبرز قيادة بافل طالباني بوصفها محاولة لإعادة بناء الحزب على أسس جديدة. ويبدو أن المشروع الحالي يسير في اتجاهين رئيسيين:
أولاً، توحيد القرار الداخلي عبر تقليص تعدد المرجعيات وإنهاء حالة الأجنحة، بما يعيد مركزية القيادة ويمنح الحزب وضوحا تنظيمياً أكبر.
ثانياً، الاستعانة بالكفاءات والخبرات المتخصصة من أكاديميين وتقنيين وشخصيات مهنية، بهدف تحويل الحزب من تنظيم تقليدي قائم على الإرث النضالي وحده، إلى مؤسسة سياسية حديثة قادرة على المنافسة في بيئة سياسية أكثر تعقيدا.
الفرص والمخاطر في مسار التحول
يحمل هذا المسار فرصاً حقيقية، لكنه في الوقت نفسه محفوف بتحديات عميقة. فالتحول نحو حزب مؤسساتي قد يمنح الاتحاد الوطني قدرة أكبر على الإدارة والتنظيم واستعادة المبادرة السياسية، لكنه قد يواجه أيضاً عددا من الإشكالات، أبرز هذه التحديات احتمال اتساع الفجوة بين النخبة الإدارية الجديدة والقاعدة الشعبية التقليدية التي ما زالت ترى في الحزب رمزاً نضاليا قبل أن يكون جهازاً تنظيميا. كما أن البيئة السياسية في العراق وكوردستان لا تزال محكومة بعوامل الولاء الاجتماعي والرمزية التاريخية، وليس بالكفاءة وحدها. إضافة إلى ذلك، ستظل المنافسة مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني عاملا ضاغطا، في ظل ما يمتلكه من خبرة طويلة في إدارة السلطة والانتخابات وشبكات النفوذ.
الخاتمة
يقف الاتحاد الوطني الكوردستاني اليوم بين زمنين: زمن الجبل الذي صنع مجده التاريخي، وزمن المؤسسات الذي قد يحدد مستقبله السياسي. ولن يقاس نجاح مشروع بافل طالباني بقدرته على فرض مركزية القرار فحسب، بل بمدى نجاحه في الجمع بين الحداثة التنظيمية والوفاء للإرث النضالي الذي تأسس عليه الحزب.
إنها معركة تجديد شرعية أكثر من كونها مجرد إعادة ترتيب داخلي، وتتطلب رؤية بعيدة المدى، وحكمة سياسية، وقدرة على قراءة تحولات المجتمع الكوردستاني والعراقي. فإذا نجح الحزب في هذا الامتحان، فسيبقى رقماً صعباً في المعادلة السياسية لسنوات طويلة مقبلة.

شاهد المزيد

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket