الوطن ورموزه ودلالاته في (القمر البعيد من حريتي)

کتب 12:18 PM - 2013-05-16
غلاف الكتاب وصورة الكاتب

غلاف الكتاب وصورة الكاتب

وأنا أسبر أغوار نصوص "القمر البعيد من حريتي" للشاعر لقمان محمود، انبهرت بثلاث جماليات:
الأولى: اللغة السلسة والمعبرة عن المعاناة الانسانية - التي مرَّ بها شاعرنا، وهي ظاهرة نجده عند الكثيرين من شعراء الكورد.
الثانية: المشي على درب الشاعر الكبير العظيم "جكرخوين" كما في ديوانيه الأول والثاني، حيث تجد نفسك أمام قصيدة غزلية في منتهى الجمال والوصف للمرأة الملهمة، ولكن في النهاية تكتشف أن هذه المرأة هي وطنه كوردستان ... نعم شاعرنا لقمان رأى في دلشاه وطنه، وحسب معرفتي بها، فإن دلشا لتستحق هذه الصفة، لأنها الأم والأخت والابنة والزوجة والقائدة، بل والوطن بالنسبة له .. فلا غرابة في التشبيه لأن المرأة الكوردية تنجب الشعب الكوردي وتزرع فيه حب كوردستان ممزوجاً بحليبها وروحها.
والثالثة، عندما انتهيت من قراءة الديوان أكثر من مرة، وخاصة عند قراءة قصائد معينة تبدو عصية في رمزيتها للوهلة الأولى.. احترت، هل أنا أمام شاعر؟ أم كاتب؟ أم موسيقي بارع؟ أم فنان؟.. أعتقد بأنني كنت أمام الجميع.
الكثيرون من أدبائنا الكورد العظام كانوا مجردين من الأرض والحرية، وكانت حريتهم وأحلامهم ووطنهم مصادراً، ولكن ظلوا يسطرون على دفاتر الانسانية أفكارهم وملاحمهم وبطولاتهم وحبهم الذي لم ينقطع لأرضهم، ولم يفقدوا الأمل لحظة باسترجاع حقوقهم مهما عُرِّبوا وفُرِّسوا وتُرِّكو... ولم ينسوا برهة أنهم أحفاد ميديا.
لذلك فإن عذابات لقمان وأحزانه تعبر عن عذابات الكورد وأحزانهم، وذلك جلي من خلال القصائد التي تحتويها الديوان.
ان طريقة التعامل مع النص الشعري فيه طبقات من نسيج اللغة الشعرية. قد تكون بعض القصائد عصية للوهلة الأولى على الذين لا يلمون كثيراً بالشعراء الكورد الذين يكتبون بغير لغتهم، ولكن عند الغور في أنساق اللغة الشعرية وتموجها، وفي لعبة المعنى، يكتشف القارئ المغزى والدلالات التي رسمها لقمان من خلال قصيدة النثر، وأراد أن يوصلنا إليها. وهذا سر نجاح النص الشعري وجاذبيته ذات مجالات الحراك الجمالي، وبنائها على التقابل والتناظر في الأبعاد الرمزية في طبقاتها.. فتأخذك المسارات إلى لوحة من الفضاء الشعري وقد امتلأت مساحتها بلقطات رمزية ذات طبيعة تشكيلية، وفي وسطها اللقطة المركزية - ما يسمى بـ بؤرة اللوحة - التي هي الوطن في صورة دلشا... فاللوحة المرسومة نستطيع أن نسميها بلوحة العشق الصوفي التي دخلت قلب لقمان وتملكته روحاً وجسداً، فلا هي حاولت الخروج، ولا هو شعر بأنها تريد الهروب من العش الأبدي .. وأبقته في حلم السراب في الواقع الفعلي بين حلم الوطن وحقيقته.
الحب يلوِّن الحياة الرمادية، ويعطيها معنى وهدفاً، وبه تزهر نفوسنا، فنرى حولنا جميلاً ينبض بالحياة.. وأجمل الحب هو الحب الانساني النابع من الفؤاد ليشع نوره توهجاً، وأعمقه هو حب الوطن ... لنلاحظ الصورة التعبيرية على حب الوطن والاشتياق إلى ترابه المقدس، فإنه يقبل القدمين اللتين دموعهما لامستا تراب الوطن وامتزجا معاً، لعلَّ بعضاً من هذا التراب يعانق شفتيه فتأخذه في غفوة إلى منبع الآباء والأجداد.

أن شهيداً من " بَرْكفر" نهض من دموع قدميكِ،
............
ع
و
د
ي
كي أقبّل الوطن في قدميكِ.

قصائد الديوان لا بدّ أن تخضع إلى المنطق النقدي الذي يحتم وضعها في سياقها الفكري الذي تنتظم فيه جميع القصائد وليس قصيدة بمفردها، ولنبدأ بمقطع من قصيدة "قالت دلشا":

الحجل
ألم كردي متنقل
في القفص الصدري
لعظام كردستان.

صورة تشكيلية رائعة في بؤرة اللوحة الشعرية، تجسد واقع الكورد، حيث أن المحتلين لأرضهم نهشوا الخيرات واقتلعوا أبناء الأرض من جذورهم، كالإنسان عندما تجرده من اللحم، ولكن الهيكل باقياً ليكتسيه اللحم مرة أخرى، والحجل الذي يكثر في كوردستان يغني هذا الألم الكردي. وهذا الألم سوف نشعر به ونتلمسه من خلال قصائد أخرى تصف الويلات التي تعرض لها هذا الشعب الجبار، والحدود القسرية التي فصلت بين أبنائه كما في قصيدة "الجحيم":

يأتي الظلام 
من الأسلاك الشائكة
فكل معلوماتي عن الحدود
أنها تراقب
الآلام المتبادلة
بين الأكراد.
............................
جنود أبديون
يرصدون أرواحاً زرقاء
في الهواء الكوردي
كي يضيفوا
مقابر أخرى للذاكرة.

العملية الابداعية في التعبير تتراءى لنا عند الغوص في أعماق الكلمات المستترة، وتسوقنا إلى فهم رؤية الشاعر التي تجسد الواقع الكردي، وتعبر عن تفاعلاته الداخلية والخارجية من خلال التقابل والتناظر بينهم وبين محتليهم، وثوراتهم المستمرة، والدماء الزكية التي تراق إلى الآن وتمتزج بتراب كوردستان. فالنجوم هي أرواح شهداء هذه الأرض:

يزرع الكوردي
القمح، الشعير، العدس، القطن والخضار.
تزرع الدول الخائفة
نقاط تفتيش، حواجز، أسلاك شائكة
وألغام حاقدة.
في الأخير، وفي كل المواسم
لاينمو في أرض كوردستان
سوى الثورات والموتى.
............................
فاستندي يا كوردستان
على الجراح الواقفة
كي تستريح سماؤك
من دماءٍ تدعى النجوم.

ان هوية الشاعر والقصيدة - كلاهما معاً - تظهر عراهما القوية التي لا انفصام بينهما، وتضعنا أمام مناخ أيديولوجي للنص الشعري ولصاحبه. ونتبين من خلال هذا المناخ الكوردي وعبر مفردات وصياغات تنضح عن الحرية التي ينشدها الكوردي، فهو إن لم يتوصل إليها للآن فهو يراها في حلمه، فالأمل خيطه لا ينقطع في الصحو كان أم في الحلم، فهو يسير إليها حتى ينالها كما في قصيدة "أتابع حريتي":

في الحلم، أعانق البعيد
حيث تستيقظ الذكريات
بلا ندم.
قلت أعرف هذه الأرض
لكن، لا أمل هناك في انتظاري
ولا أمل هنا
فكل ما حولي تكرار غير واضح
لنجاة مرتبكة
تقيس أعماقي الحزينة بقلق خالد
ورغم ذلك، فأنا هناك
طوع طفولتي العنيدة
أتابع حريتي
في طريق الجراح القديمة.

تتميز قصائد لقمان محمود ببنية شعرية متماسكة منسجمة، من خلال التعبير عن الحب، أو الوطن، أو الويلات، أو الثورات، أو الأمل، أو الحلم... ومفرداته الميتافيزيقية تحوم حول المكان الكردي، فهو يسبر أغوارها ويصف آلامها وجراحاتها.. وهذه الفداحات والصرخات مغروسة في الذات الكردية وأصبحت هوية لهم. خاصة عندما تتأمل وتتذكر هذه الذات الأماكن التي جرت فيها جزء من الويلات. ففي كل مرة أقرأ قصيدة النثر "سلالم لصعود الموتى" التي تصف حريق سينما عامودا أحس فعلاً برائحة الشواء تزكم أنفي، وتترقرق دمعات على خدي لأن مشهد الحريق لم يفارق مخيلتي منذ أن رأيته وأنا طفل بعمر المشويين في الحريق المفتعل من قبل جلادي أرواح الملائكة الصغار. وأعتقد بأننا نظلم بطلاً مقداماً وضع نفسه في المشواة في سبيل إنقاذ عدد من الأطفال مازال البعض منهم شاهداً إلى الآن، هذا البطل العظيم هو محمد آغا الدقوري. نعم نظلمه لأننا لا نذكره كما نذكر شهداء آخرين، فهو في قمة وسام الشرف والإنسانية.

محتشداً بالموت
أصعد سلالم الغيبوبة
لأخبر أمي
كي لا تنتظر سنابلها.
التفتت إلي، حينها دخل طفل ثم دخل شاب، كانت رائحة شواء آدمي تفوح منهما، فكدت أسأل، لكنها أسرعت بالجواب: إنهما خالاك، هما شهداء حريق "سينما عامودا"، حينها لم أعرف هل المفاجأة أم رائحة الشواء كانت سبباً في إغمائي، فعندما إستردت وعيي أحسست أنني في حريق حقيقي، وأن "محمد آغا الدقوري" يقترب مني، طالما كنت أقف أمام تمثاله المحمل بالشهداء، في حديقة عامودا، وقلت في نفسي، أكيد أنه قد حفظ شكلي وسوف ينقذني، حينها شتتني رائحة شواءٍ "لما" يقارب مائتي آدمي، ليأخذ قدمي كل ما في أقدام الغزلان من هروب، فلم أجد أمامي سوى سلماً يصعدني.

الشاعر يسطر كلماته بمداد أحمر من محبرة دم أهله الكورد .. ويجبل كلماته بكاء وصراخاً، ليطلق شعره عويلاً يوازي بلغة التعبير ما يحدث في الواقع، ليوصل رسالته إلى العالم الساكت عن الحق المبين، والشاهد على الجرائم اللاإنسانية بحق هذا الشعب الجريح منذ قرون، فقد تناسى الجراحون على مدى التاريخ منذ قرون عن خياطة آلامه، حتى أن الرب لا يعيرهم انتباهاً، ووضعهم في دفاتر نسيانه كما في قصيدة "الشعب":
أصغيت إلى الكون
كي أسمع شعباً تناساه التاريخ
وتغافل الرب عن أحزانه.
[لو يشهد واحدكم]
بعد قليل يستسلم خيط الفجيعة 
لإبرة الموت
ليخيّط التاريخ هذا الشعب
قبل أن تتفسخ الأرض.

بالرغم من ظلم البشر والتاريخ وتناسي الرب لهذا الشعب، فإنه لم ولن ينقطع في السعي الحثيث إلى احتضان الحرية، والنهر الجريح سيغسل الآلام، والربيع سيضيء أرض كوردستان بعد أن اقترب من خلع ثوب حداد الشتاء المقفر، و شمس الحرية ستبزغ في حضن الربيع، ولكن أخاً من الأخوة الأربعة قد استيقظ ومشى على الدرب(بعكس ما ذكره شاعرنا)، وسيتبعه الآخرون إلى الخلاص:

أتابع حياتي ...أنا النهر الجريح ... في الأراضي الميتة
لي رسالة الماء ... أينما ذهبت ... لي أثري
لقد قطعت جميع شراييني ... في امتحان الحرية
كي أموت في حضن ربيع ... منتصب القامة
أنين جدودي(جدودي الأمواج) ... يعذبني، يقتلني... منذ آلاف السنين
فحتى الآن لم أسمع ... أن أخاً من إخوتي(اخوتي المد والجزر) قد حقق النجاح
في الهروب... في الخلاص.

يبدو تعلق الشاعر لقمان محمود بالحياة في أوضح الصور-هنا- فنهره بالرغم من جراحاته الكثيرة، إلا أنه لا يفتأ يواصل جريه كي يبث الحياة في الأرض الميتة،  وهو يؤدي بذلك رسالته، إنها رسالة الماء -كما ترد بشكل صريح في متن المقطع- وأية رسالة أبلغ من أثر هذه الرسالة على التراب الظامىء الذي ينتظرها، كي يرى تاريخه الكردي كله عبر ثلاثية: الشاعر-النهر-الأرض، كي نتفاجأ بالصورة الجميلة، المدهشة" أخوته المد والجزر" وإن كان أحد هؤلاء لم يحقق الهروب الخلاص يقول في نص "حزن يحرسه الألم":

سأمزق ستائر التراب ... ساتراً .. ساتراً
لأرى من الشباك الترابي ... كائناً يتحول إلى إنسان
فيخرج من ظله غزالة فيسلخها
........................
عشرون رجلاً طاردوا غزالة من "نصيبين" إلى "عامودا". وعندما استصعبوا الإمساك بها استراحوا على مقربة من النهر الجاري، وحينها اقتربت الغزالة بدلال، فاستسهلوها وانكبوا على دموع أعيقت سلخها، وبينما هم في حيرتهم، ظهر خنزير أمام أعماقهم، فهبّ عشرة منهم، فلم يعودوا، فهبّ خمسة ولم يعودوا، فهبّ أربعة فلم يعودوا، وقبل أن يهبّ الأخير، سال دمع كثير.. بدل الدم.  

واضح هنا، أن الشاعر يلجأ إلى الأسطورة الكردية، وهي الأرض البور كما يقول د.عامرالأخضر، ليغرف منها ما شاء، بيد أننا نكون هنا أمام أرومة الدم الكردي الذي يجري، لاسيما وأن عشرين الرجال الكرد الذين انقسموا إلى أربع مجموعات سرعان ما عانقوا مصائرهم المجهولة، وإن كانت اليد التي تبطش بهم واحدة في آخر الأمر، يقول في نص "موت مستيقظ":            

موت مستيقظ ... يكنس الأرواح الذابلة ...
فما كان سابقاً ... يدعى وطن ...
صار من المتوقع ... أن تدعى مقبرة
كل طاغية ... يعرف من خلال التجربة ... أن الحقيقة نائمة
لذلك كل ما يهمه ... أن يعيش تحت قشرة الخوف... شعب ميت.

ثمة تشاؤم شديد يلحظه قارىء النص، وكيف لا؟ مادام الوطن يتحول إلى مقبرة، ومادامت الحقيقة نائمة، لا تستيقظ في حدود النص، وهو ما يعرفه الطاغية ذاته،  بيد أن الأكثر إيلاماً هو هذه القفلة" يعيش تحت قشرة الخوف شعب ميت". أجل، هنا ذروة الرؤية السوداء التي هيمنت على روح الشاعر نتيجة قراءته لواقعه، ما جعل كل ذلك ينعكس في حدود قصيدته.
وأخيراً، فإن لقمان محمود أحد أصوات جيل تسعينيات القرن الماضي، والذي كرس اسمه بعد مجموعته الأولى"أفراح حزينة 1990"، يحرز تطوراً ملحوظاً على بداياته نفسها، بعد أن تبدلت منافيه من عامودا إلى ألمانية إلى السليمانية، حيث التم شمله والشطر الآخر من روحه"دلشا" بعد أكثر من عقدين، وإن مجموعته الجديدة تشكل على صعيد الدلالة والشكل وعمارة النص خطوة متقدمة بالنسبة إلى الخط البياني لتجربته الإبداعية، ليكون بحق أحد شعرائنا الكرد ذوي الحضور الإبداعي.

بقلم: خورشيد شوزي
*جريدة الإتحاد
العدد (3254) الثلاثاء 14/5/2013

شاهد المزيد

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket