في اليوم العالمي لمكافحته .. الفـساد سرطـان ينخر جسد المجتمـع

الفساد هو ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية معقدة تؤثر على جميع البلدان. فالفساد يقوض المؤسسات الديمقراطية ويبطئ التنمية الاقتصادية ويسهم في الاضطراب الحكومي. ويضرب الفساد في أسس المؤسسات الديمقراطية بتشويهه العمليات الانتخابية مما يحرف سيادة القانون عن مقاصدها ويؤدي إلى ظهور مستنقعات بيروقراطية لا بقاء لها إلا من خلال الرشى. كما أن التنمية الاقتصادية تتوقف بسبب تثيط الاستثمار الأجنبي المباشر. وبسبب الفساد ويصبح من المستحيل للشركات الصغيرة داخل البلد التغلب على "تكاليف بدء العمل".
اعتمدت الجمعية العامة، في 31 تشرين الأول/أكتوبر 2003، اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وطلبت إلى الأمين العام أن يكلف مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة بتولي مهام أمانة مؤتمر الدول الأطراف في الاتفاقية وعيّنت الجمعية العامة أيضا يوما 9 كانون الأول/ديسمبر بوصفه اليوم الدولي لمكافحة الفساد، من أجل إذكاء الوعي بمشكلة الفساد وبدور الاتفاقية في مكافحته ومنعه. ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في كانون الأول/ديسمبر 2005.
احتفالية عام 2015
تركز الحملة الدولية المشتركة لهذا العام على أثر الفساد في تفتيت أسس الديمقراطية وسيادة القانون، والتسبب في وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان، وتشويه السوق وتآكل جودة الحياة، وتهيئة البيئة المناسبة لازدهار الجريمة المنظمة والإرهاب وغيرها من التهديدات التي تواجه الأمن البشري.
إن نجاح أي دولة في محاربة الفساد ومكافحته لا يكفي له التشريعات وحدها مهما كثرت ولا المحاكمات مهما بلغت شدتها، بل يجب أن تكون هناك خطوات وآليات لإتخاذ تدابير وقائية تمنع حدوثه وتكشف عنه قبل وقوعه، وهذا يتطلب قيام هيئة على مستوى عال تنهض بمسئولية الكشف عنه ومحاربته وذلك أنه لا يكفي أن نترك مهمة وإجراءات محاربته لأجهزة متعددة لا يجمعها رابط أونسق واحد لأن التجريم والعقاب موجود بالفعل وتوجد العديد من التشريعات لمكافحته، من هنا كانت ضرورة إنشاء الهيئة العامة لمكافحة الفساد وهي هيئة مستقلة تهدف إلى مكافحته وإتخاذ التدابير لمنعه والتخطيط لمواجهته ويجب أن يكون لهذه الهيئة إستراتيجية للقيام بهذه المهمة وقد وضعت الهيئة إستراتيجية قصيرة المدى وأخرى طويلة المدى لمحاربة الفساد ومحاصرته وهي تقوم على عدة محاور رئيسية هي:
المحور الأول
تعزيز قدرات الهيئة العامة لمكافحة الفساد : حتى تتمكن من أداء مهمتها وتحقيق أهدافها وذلك عن طريق توفير الإمكانيات اللازمة لها، وتأمين كوادر متخصصة من العاملين بها وتدريبهم وتأهليهم للعمل بها، ووضع مدونة سلوك خاصة بهم، وتزويدهم بإرشادات يلتزمون بها في التعامل مع الشكاوي وإجراءات التحقيق وكيفية حماية المبلغين وكيفية الوصول إلي المعلومات، فضلاً عن استمرار تطوير التشريعات القانونية التي تحكم عمل الهيئة.
المحور الثاني
الوقاية من الفساد : من الأهمية بمكان أن تكون هناك برامج محددة للوقاية من الفساد لمنع حدوثه في المقام الأول لحماية المجتمع وتدارك آثاره بما في ذلك خفض تكاليفه من خلال عمل دراسات ميدانية لتحديد المجالات التي يظهر فيها الفساد، والتعرف علي التشريعات والإجراءات التي تعيق العمل من أجل معالجتها، وإلتزام الجهات الخاضعة بوضع أدله خاصة بإجراءاتها الإدارية مبيناً فيه الخدمات التي تقدمها وشروط الحصول عليها وعمل دراسات للجهات التي يمكن أن تعتبر أكثر عرضة لحدوث الفساد نتيجة طبيعة عملها والخدمات التي تقدمها ووضعها دائماً تحت الرقابة، ووضع آلية للوصول إلي المعلومات في هذه الجهات وإنشاء قنوات اتصال فيها.
المحور الثالث
التنسيق والتدريب والتوعية العامة : فمكافحة الفساد بما تتطلب من جهود لن تحقق الغاية المنشودة إلا من خلال إتخاذ إجراءات خاصة في مجال التثقيف والتدريب وتوعية المواطنين بمخاطر الفساد على خطط التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولكي يتم ذلك يجب تقييم الحاجات التدريبية وتطويرها وتبني استراتيجية اتصال مع الجماهير لتثقيفهم حول مخاطر الفساد وسبل مكافحته ومسئوليتهم في هذا الصدد.
المحور الرابع
إنفاذ القانون : فلابد من ملاحقة مرتكبي الفساد وحرمانهم من الاستفادة من عائد جرائهم ومن العودة إلي ارتكاب هذه الجرائم مستقبلاً وأن تصل رسالة إلي الجميع أن الجريمة لابد من ملاحقتها ومعاقبة مرتكبها، ويتم تحقيق هذه الغاية عن طريق المراجعة الدائمة للتشريعات التي تضمن ذلك وتبسيط الإجراءات الخاصة بحجز ومصادرة الأموال والعائدات الناتجة عن الفساد والتوسع في استخدام أساليب التحقيق المتطورة في قضايا الفساد.
المحور الخامس
تنسيق الجهود لمكافحة الفساد : إن نجاح مكافحة الفساد يتطلب تنسيق جهود كافة الأجهزة الحكومية والتعاون مع منظمات المجتمع المدني وتضافر الجهود الشعبية لضمان هذا النجاح ، ويتم ذلك بإنشاء لجان مشتركة بين كل ما سبق والطلب من الجهات الخاضعة تطوير سياستها الخاصة بمكافحة الفساد ووضع آليات مراقبته والاستفادة من الخبرات المحلية والدولية.
المحور السادس

التعاون الدولي : فالتعاون والتنسيق مع الجهات الإقليمية والدولية لتعزيز التدابير الخاصة بمكافحة الفساد وتطويرها له أعظم الأثر في مكافحة الفساد ومن ثم فيتم السعي إلي إنشاء شبكات إقليمية لمكافحة الفساد من أجل التعاون ونقل الخبرات والعمل علي تطبيق اتفاقية الأمم المتحدة في مجالات تسليم المجرمين ونقل الاشخاص المحكوم عليهم والمساعدة القانونية المتبادلة وتبادل المعلومات وعقد والمؤتمرات ومراجعة التشريعات الكويتية لكي تتوافق مع الاتفاقيات الدولية المعنية بمكافحة الفساد.

واختارت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 9 ديسمبر سنوياً كيوم دولي لمكافحة الفساد، من أجل إذكاء الوعي عن مشكلة الفساد وعن دور الاتفاقية في مكافحته ومنعه. ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في كانون الأول/ديسمبر 2005.
قامت الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة بتوقيع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (الاتفاقية) والتصديق عليها في المكسيك، وتم إعتماد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة راعياً لهذه الاتفاقية. ويعمل المكتب منذ ذلك الحين مع الدول الأعضاء لتبني التدابير التي تنص عليها الإتفاقية، وتعزيز تشريعاتها الوطنية والعمل على توافق الآراء وبناء القدرات الوطنية الرامية على مكافحة الفساد طبقاً لنصوص الإتفاقية.
تظلّ ظاهرة الفساد ظاهرة معقدة تُؤثر سلباً على البلدان في النواحي كافة، عابرة بذلك الحدود الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وعليه فإن محاربة الفساد بصوره كافة، كالرشوة أو الاختلاس أو الابتزاز أو استغلال النفوذ أو المحاباة أو غيرها، ولا يزال يُمثّل أولوية لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة والمجتمع الدولي، فالفساد يقوض المؤسسات الديمقراطية ويبطئ التنمية الاقتصادية ويسهم في الاضطراب الحكومي.
انضم العراق الى اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد بتاريخ 30/8/2007 وتم استحداث هيئـة حكوميـة (رسمية) مستقلة معنيـة بالنزاهـة العامة ومكافحـة الفسـاد، وانشأت في العراق باسم (مفوضيـة النزاهة العامة) بموجب القانون النظامي الصادر عن مجلس الحكم العراقـي وفقاً للتخويل الممنوح من سلطة الائتلاف المؤقتـة المنحلـة بالامـر (55 لسنة 2004)[1]. وعدّها الدستور العراقـي الدائم لعام 2005 احدى الهيئات المستقلة وجعلها خاضعة لرقابة مجلس النواب وبدل اسمها إلى (هيئة النزاهة) تخضع لرقابة مجلس النواب، وتعمل الهيئة على المساهمة في منع الفساد ومكافحته، واعتماد الشفافية في إدارة شؤون الحكم على جميع المستويات. ويمكننا تصنيف الفساد الى :
- الفساد السياسي: ويتمثل بإساءة استخدام السلطة العامة (الحكومة) من قبل النخب الحاكمة لأهداف غير مشروعة كالرشوة، الابتزاز، المحسوبية، والاختلاس.
- الفساد المالي: يتمثل بمجمل الانحرافات المالية ومخالفة القواعد والأحكام المالية التي تنظم سير العمل الإداري والمالي في الدولة ومؤسساتها.
-الفساد الإداري: يتعلق بمظاهر الفساد والانحرافات الإدارية والوظيفية أوالتنظيمية، وتلك المخالفات التي تصدر عن الموظف العام خلال تأديته لمهام وظيفته الرسمية ضمن منظومة التشريعات والقوانين والضوابط ومنظومة القيم الفردية. و الفساد الأخلاقي والفساد اللغوي.
ان الفساد الاداري والمالي يترك جملة من التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية وأهمها:
‌1.يترتب على ممارسة الفساد الاداري والمالي ربح مالي من قبل المسؤول أو الموظف مما ينعكس على رفع تكلفة الحصول على الخدمة ومن هنا فأن الفساد هو بمثابة ضريبة تفرض على طالبي الخدمة. وبالنسبة للمستثمرين فأن ذلك يعيق الاستثمار لانه يخفض العائد على الاستثمار.
‌2.ان انتشار تعاطي الفساد بطبيعة الحال يؤدي الى تقليل ايرادات الخزينة العامة ويحرمها من موارد تحتاجها الدولة للانفاق على الخدمات العامة وتطويرها.
‌3.ان الفساد الاداري والمالي من شأنه ان يضعف اداء القطاعات الاقتصادية وبالتالي فأنه يضعف النمو الاقتصادي في البلد.
‌4. يؤثر الفساد على العدالة التوزيعية للدخل والثروات لصالح الاكثر قوة في المجتمع (والذين يحتكرون السلطة) أو المقربين منها وبالتالي تزداد الفوارق الطبقية في الدخل والثروات بما في ذلك من تأثيرات سلبية على النسيج الاجتماعي والاستقرار السياسي.
‌5.ان الفساد في مجال تنفيذ المشروعات والمقاولات يفسح المجال لمنفذي هذه المشروعات للتلاعب بالمواصفات بما ينعكس سلباً على جودة المشاريع من الناحية الفنية فضلاً عن ارتفاع تكاليفها.
‌6.ان الفساد في العراق يعد اليوم العامل الاكبر والاوحد الذي يسيء الى مصداقية الحكومة واصبح يمثل تهديداً للامن الوطني. ففي الوقت الذي تعمل الحكومة على جذب الاستثمارات الاجنبية للبلاد واعادة اعمار البنية التحتية فأن المستثمرين الاجانب يضطرون لدفع المال لتسهيل الحصول على الخدمات المطلوبة التي يفترض ان تكون جزءاً من عمل الادارة الحكومية الاعتيادية وهذا ما  يدفع الكثير منهم الى العزوف عن الاستثمار في العراق. ومن هنا فأن الفساد الاداري والمالي من شأنه ان يعمل على تعويق عملية التنمية ويعرقل مساعي البلد للدخول الى مجتمع الاعمال في العالم كلاعب على قدم المساواة مع الاخرين .
‌7.واخيراً فأن الفساد يؤدي الى حرمان العراقيين من رغد العيش وحتى من ابسط مقومات العيش، الامر الذي جعل بغداد تعد من بين أسوأ المدن من ناحية مستوى المعيشة حسب التسلسل العالمي المنشور.
وللقضاء على الفساد يجب على أفراد المجتمع محاربة الفساد بشتى صوره وأشكاله والتعاون في ذلك ويتحتم علينا التزامنا الديني والاخلاقي والوطني والانساني أن نساهم جميعاً في الحد من ظاهرة الفساد التي تهدد المجتمع والتي توسعت بشكل غير مسبوق وأضرت المجتمع وروح المواطنة لدى أبنائه.
وتجدر الاشارة الى انه لا توجد صيغة سحرية سريعة لكبح جماح الفساد لكن ثمة خطوات واجراءات عديدة ينبغي اتخاذها لمحاربة الفساد والتخفيف منه وفي مقدمة هذه الاجراءات.
‌محاربة الفقر( الذي يعد احد اسباب الفساد وذلك نتيجة له  ) والسعي  لتحقيق العدالة الاجتماعية قدر المستطاع.واصلاح النفس البشرية كأداة لمكافحة الفساد وصيانتها من كل مظاهر الانحراف ‌وضع وتطبيق قوانين صارمة لمنع هدر المال العام وأنشاء اجهزة أمنية تراقب التصرف بالاموال العامة ومحاسبة المقصرين بكل جدية.واعادة النظر بالحصانة الوظيفية التي يمارسها رؤساء الدوائر في حماية موظفيهم من المحاسبة حيث يبالغ هؤلاء في توفير الحماية لموظفيهم مما يجعل ذلك حجر عثرة في الجهود الرامية لمكافحة الفساد. ولا بد ان يتحقق التوازن بين ضرورة خضوع الموظفين لسيادة القانون ومساءلتهم عن الجرائم التي يرتكبونها كالرشوة والاختلاس، وبين ضرورة توفير الحماية للموظفين النزيهين من الدعاوي الكيدية. واستخدام الاعلام في بناء ثقافة النزاهة وتشكيل القيم والعادات من خلال تخصيص برامج ثابتة في الاذاعة والتلفزيون تهتم بمعالجة هذه المشكلة بوسائل مختلفة تشمل الندوات والاعلانات والتحقيقات وكذلك التوبيخ الاخلاقي للمفسدين، واستعمال التوثيق والبحث لاعداد قائمة سوداء بأسماء المفسدين، ومن المهم تفعيل دور منظمات المجتمع المدني في مكافحة الفساد من خلال ترسيخ مفاهيم الاستقامة والنزاهة والانضباط السلوكي، سواء في المجال الوظيفي العام أو الخاص وفي مجال السلوك الاجتماعي. فالمجتمع المدني اضحى مشاركاً في ادارة الدولة ورسم سياساتها ويلعب دوراً في عملية صياغة القرارات وسن التشريعات  ويتحمل مسؤولية تصحيح مسارات الدولة ومنها مكافحة الغش والفساد الاداري والمالي من خلال الرقابة والتوجيه والاحتجاج.
ان انطلاق المظاهرات والاحتجاجات في بغداد والمحافظات التي بدأت من قبل المواطنين والناشطين والفنانين والصحافيين ومنظمات المجتمع المدني والتي تندد بالفساد المالي والإداري في البلاد، ونقص الخدمات الأساسية. مطالبين فيها بتطهير القضاء وهيئة النزاهة من الفساد، وإبعادهما عن المحاصصة الطائفية، ولتشمل محاسبة الفاسدين وفتح ملفات الخراب العراقي على كل الاصعدة، من سوء الخدمات إلى الفساد الذي ينخر كل مفاصل الحكومة إلى ازدياد معدلات البطالة والتدهور الاقتصادي الذي اصاب بلدا يعتاش على البترول، بعد انهيار اسعاره العالمية، كل هذا ماهو الا تعبير عن رفض المواطن العراقي ووعيه بحقوقه، حيث اليوم تنتاب الشارع العراقي مشاعر أمل بانهاء الفساد والمحاصصة الطائفية التي تعتبر الداعم الرئيسي للفساد.

PUKmedia وكالات

9/12/2015 15:16:00