أزمة كركوك الى اين؟

بدءا وكمقدمة لِعرض هذا الموضوع الحساس والشائك، اود احاطة القراء الأعزاء علماً بأنني مواطن كوردي من احد الأقضية التي كانت تَتبع محافظة كركوك قبل تفتيتها وتوزيع معظم اقضيتها على المحافظات المجاورة وبِقرار صادر من قيادة النظام الدكتاتوري البائد.

واعتقد بأن للكورد كما لسائر الأمم الحق بالتمتع بكامل الحقوق القومية بما فيه حق تقرير مصيره بنفسه، أرى ايضاً ان التعايش والانسجام بين اقوام ومذاهب واديان مختلفة وقاطنة معاً في مساحة جغرافية محددة ممكنة رغم اختلاف اللغة والعرق والثقافة بشرط توفر المساواة الكاملة في تمتع ساكنو تلك الأرض المشتركة بجميع الحقوق دون تمييز، وارى ان ازمة محافظة كركوك هي حالة خاصة ويمكن معالجتها على هذا الأساس.

طيلة عشرات السنين من ممارسة العمل السياسي والثقافي كنت اراقب بدقة الأوضاع المتأزمة في هذه المحافظة وتطورها بين الاستقرار والاضطراب والضياع احياناً وبتكرار تلك الحالات على مدى سنوات وعدم استقرار الأمور فيها، كان السكان من الكورد والتركمان والعرب وبدرجات متفاوتة يدفعون الثمن من ارواحهم وأموالهم وتقدم ورخاء محافظتهم ومستقبل أبنائهم.

وفي الحقيقة ان ازمة كركوك صعبة وعلى جانب غير قليل من التعقيد حيث تتداخل فيها المصالح المتضادة وتزداد تعقيداً كلما تأخر حلها ويرى البعض ان القضية عصية على الحل ولا مناص من تركها للزمن، الا ان التدقيق في أصول الازمة ومسبباتها والأطراف المشاركة فيها والمستفيدين من بقائها توضح لنا انها قابلة للحل بشرط التعامل معها من قبل المعنيين وهم سكنة المحافظة أولا ومن ثم السلطة المركزية في بغداد و إقليم كردستان ومن منطق الشعور بالمسؤولية وبعقلية متفتحة وتقبل اراء أصحاب المشكلة الحقيقيين وهم (التركمان و الكورد و العرب والمسيحيين) وباستخلاص الممكن في النتائج الإيجابية وتنفيذها وترك عقد وأخطاء الماضي للماضي.

من الممكن لأطراف الازمة الاتفاق على حياة مشتركة وبأمان وسلام مع تمتع كل منهم بكامل حقوقه والتنعم بخيرات الأرض الطيبة التي كانت مصدراً للأمان والرفاه في الماضي ولكنها تحولت فيما بعد الى ساحة للصراعات المدمرة تتداخل فيها جهات ¬¬¬¬وقوى ودول في داخل العراق وجوارها وبعيداً عنها، كلها تساهم في خلق المزيد من الإشكالات التي تعيق التوصل الى حلول مقبولة.

وبالتأكيد ان أي حل جذري يجب ان تراعى فيها استحقاقات مكونات المحافظة. وقد توفر بعض الحلول الانية والسريعة شيئاً من الهدوء والاستقرار الى حين، ولكن وبسبب بقاء مسببات الازمة على حالها فأنها تعود مرة أخرى، ويرى الكثيرون ان التوصل الى حل جذري لازمة كركوك يساهم في فك العديد من العُقد بين بغداد والإقليم ويسهل حل المشاكل القائمة بينهما وهذا ما يدعو الى التساؤل عن إمكانية إيجاد حل لازمة كركوك دون انتظار ما تتوصل اليها المباحثات لأنهاء المشاكل القائمة حالياً بين الطرفين.

ان حل الاشكالات بين الإقليم والمركز يعتمد على آليات وقوانين ولجان تعمل منذ فترة للوصول الى تسوية. ولكن أزمة كركوك هي مسألة حياة مواطني محافظة منكوبة وهم يتحملون ضريبة بقائها دون حل.

  وتتداخل في تعقيدات الازمة كما أسلفنا أطراف وجهات ومصالح متعددة منها (الأحزاب الكردستانية في الإقليم وبدرجات متفاوتة والسلطة المركزية في بغداد وأحزاب وتيارات سياسية عراقية متصارعة فيما بينها ودول الجوار وحتى القوى العالمية الكبرى).

ان بقاء الازمة وتداعياتها وبقائها لسنوات دون حل يدفعنا الى الاعتقاد بأن الأطراف المشاركة في الازمة عدا (أصحاب القضية الحقيقيين والمتضررين منها) لا يرغبون وليس لديهم الحماس والجدية المطلوبين لحل هكذا مشكلة، ويفضلون بقائها كما هي، كما يفعل القادة والسياسيون العرب إزاء قضية فلسطين التي تراوح في مكانها منذ عقود والمتضرر الأكبر هو الجماهير الفلسطينية فقط.

ونحن نقترب من الذكرى المئوية لتأسيس الدولة العراقية الحديثة في عام 1920 والتي منذ بداية تشكيلها لم تولد ولادة طبيعية ولم تتمكن من خلق شعور المواطنة لدى ساكني حدودها لأنها حملت ومنذ نشوئها عقد وتداعيات ما قبل واثناء وما بعد الاحتلال الانكليزي للعراق, ولم تتفهم الحكومات العراقية المتعاقبة و الى عام 2003 ان الشعب العراقي فيه مكونات مختلفة عرقياً ودينيا ومذهبيا وانه لابد من توفير المساواة في التعامل مع الجميع في الحقوق والواجبات وانه لا يمكن تجاهل خصوصيات كل مكون وفرض رغبات ومصالح طرف محدد على الاخرين بالقوة القاهرة وقد توقع العراقيين ومنهم الكورد والتركمان ان عصور فرض إرادة الأكثرية قد مضى وان المساواة والعدالة في الحقوق والواجبات سوف تتحقق.

وخلال سنوات ما بعد السقوط والى يومنا هذا لازالت المشاكل والعقد باقية وان كانت بصور وآليات مغايرة، إضافة الى بروز وتعاظم التدخل الأجنبـي السافر في جميع شؤون العراق.

لنفرض جدلاً ان جميع المحاولات والمشاريع والقوانين بما فيها المادة 140 من الدستور العراقي وكما رأينا خلال السنوات الماضية لم تؤد الى نتيجة حاسمة!

ما هي الخيارات الأخرى الممكن اتخاذها للخروج من عنق الزجاجة؟

وهل يمكن البحث عن حلول جديدة أخرى؟

وهل الكورد يفضلون دمج ازمة كركوك مع مجمل مشاكل الإقليم الأخرى ام يرغبون في إيجاد حل ما للازمة بدايةً لتسهيل عملية حل إشكالات العلاقة بين بغداد والاقليم؟

وماهي تفاصيل مشروع إقليم كركوك المعروض من قبل بعض الاخوة التركمان؟ هل هذا الإقليم يقتصر على الحدود الحالية للمحافظة ام سيشمل الاقضية والنواحي التي انتزعت في العهد السابق من خارطة المحافظة وألحقت بمحافظات مجاورة (طوزخورماتو الى صلاح الدين وكفري الى ديالى وكلار و جمجمال الى السليمانية)؟

والى متى يتحمل سكان محافظة كركوك التباطؤ في حل مشكلتهم ومتى يصلون الى مرحلة نفاذ الصبر ويقررون بأنفسهم ما يرونه مناسبا لأنهاء معاناتهم؟

وهل البحث عن حلول جديدة ووضعها قيد التنفيذ تسهل حل المشكلة الكردية عموماً في العراق؟

وماذا لدى الكورد والتركمان من أفكار جديدة خارج الأطر المعروفة حتى الان؟ 

وفي هذا السياق لابد من الانتباه الى ان الخيارات المتاحة حالياً للتوصل الى تسوية مناسبة قد لا تكون متاحة في المستقبل بسبب ما تحمله الاتي من الأيام من المفاجئات والتغيرات السياسية المتوقعة على صعيد العراق والمنطقة وبسببها لا يكون اتخاذ الخيارات امر سهلاً ولذا  فالأفضل هو الإسراع في ا . تخاذ ما يناسب الظروف الحالية في خطوات و أولها البدء بحوار شامل وجدي وصريح من جميع الأطراف المعنية بإرادة حقيقية صادقة للتوصل الى حل ينهي الازمة نهائياً.  

 

*الشيخ محمد الشاكلي/ رئيس الجمعية الثقافية والاجتماعية في كركوك

11/2/2019 15:51:00