مام جلال وفلسفة الخروج من المأزق


9/9/2019 22:38:00
اطبع
مع صورة      بدون صورة
      
مام جلال وفلسفة الخروج من المأزق

في 6 سبتمبر/أيلول تمر الذكر الـ 31 على تصريح النظام البعثي بـصدور العفو العام "باستثناء الخائن جلال الطالباني". هذا التصريح الذي أعلنه نظام البعث الصدامي البائد في يوم تصريحه بإنهاء عمليات الأنفال الوحشية سيئة الصيت ضد الشعب الكردستاني، علما بأن ما حدث بعد ذلك وضّح بجلاء حجم المخادعة في إعلان العفو لاستدراج قادة المقاومة وإحكام السيطرة عليهم، لكنهم كانوا على دراية تامة بالحقيقة؛ فلم تنطلِ عليهم الخدعة هذه المرة.

في ذكرى اتهام مام جلال بالخيانة من قبل نظام صدم حسين أسترجع موقفا لهذا القائد والمناضل الكردي يدلل على إنه إن صح أن يُطلق عليه خائنا فإنه كان في أعلى درجات الخيانة للاستبداد والشوفينية، ومحاربة الظلم والقهر لحق الشعوب في الحرية وتقرير المصير، ومن ثم، كان مصيره الملاحقة والمطاردة على أمل التخلص منه والقضاء جزء حيوي من مصير أمة.

في المقابل كان الطالباني يدرك هذه الحالة، فتعامل معها بحرفية عالية مكنته أن يبقى هو وتستمر رسالته الوطنية، وأن يسقط عدوه وتتراجع استبدايته، بل وصل الأمر أن يجلس جلال الطالباني الكردي على عرش عدوه رئيسا لكل العراق، ساعيًا لبناء عراق حر فيدرالي ديمقراطي قدر ما معه من إمكانات زمكانية.

إن هذه الكاريزما الجلالية تأخذنا إلى صورة سياسية نضالية للطلباني بعيد انتصار انتفاضة 1991م، رسمها صحفي مصري يدعى "عاطف الغمري" الذي كان يعمل مديرًا لمكاتب صحيفة الأهرام في الخارج، تلك المهمة التي قال عنها "إنها فرصة للاتصال بشخصيات تصنع الأحداث والدخول وراء الكواليس لمشاهدة ما لا يظهر على خشبة المسرح".

ففي كتابه "كواليس الصحافة والسياسة تجربة ذاتية" طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب 2018م، ص 45-47، يروي الغمري أنه تم ترتيب لقاء سري له مع مام جلال في باريس عن طريق الصحفية درية عوني (كانت وقتها تعمل في وكالة الأنباء الفرنسية في باريس ومراسلة لمجلة المصور المصرية)، بعد عشاء له معها في بيتها مع عدد من الصحفيين المصريين، وعلم من كلامها أن جلال الطالباني موجود في باريس، فأبلغها برغبته في إجراء لقاء معه.

يقول الغمري إن درية عوني نهضت على الفور، وأجرت اتصالاً تلفونيًا مختصرًا، وعادت تقول لي: "غدًا صباحًا سيأتيك صديق اسمه آزاد، ستذهب معه، ولا تندهش من خط سير الرحلة".

يبدو أن الكلام قد أخذ عاطف الغمري إلى بعدٍ أعقد وأصعب مما كان يتخيله عن لقاء مع رجل مثل جلال الطالباني، وربما ذلك ما جعله يتجاوز الأوهام ويحقق رغبته ليقف على تفاصيل هذا الرجل المختلف عمن التقاهم في السابق. ولذلك لا نستغرب أن يصف الغمري لقاءه بجلال الطالباني بأنه: "كان أشبه بالمغامرة للوصول إلى المكان الذي كان يقيم فيه بعيدًا عن أعين رجال صدام حسين الذي كان قد أرسلهم وراءه لاغتياله".

يقول الغمري إنه: "في الساعة المحددة من اليوم التالي (الذي كان فيه مع درية عوني) جلست في بهو الفندق أنتظر القادم، ودخل واتجه نحوي مباشرة وصافحني، ثم طلب مني مرافقته، وبدأت الرحلة المثيرة".

المشهد السابق لا يتم إلا بجهود وتنسيقات عالية المستوى، فلماذا لم يذكر الغمري الساعة المحددة؟ وكيف عرف القادم "آزاد" الغمري؟ هل كان يعرفه من قبل؟ أم أرسلت له صورة؟ لمَ لمْ يسترح قليلا في بهو الفندق مع الغمري؟ بل صافحه وتحرك مباشرة. بل الأكثر من ذلك أن الغمري سيكتشف أن مقابلته للطالباني لن تقف على كونها مجرد إجراء حوار!

نعود إلى الغمري لنعيش معه رحلته التي وصفها بالمثيرة، يقول: "ركبنا المترو، وبعد عدة محطات غادرناه، واتجهنا داخل المحطة إلى رصيف آخر؛ لنستقل المترو الذي يتحرك في اتجاه معاكس للاتجاه الأول، وتكرر هذا الأسلوب أكثر من مرة، في عملية تضليل لمن يمكن أن يكون متابعًا لنا إلى أن وصلنا إلى محطة نزلنا منها إلى الشارع".

يضاف حرص آزاد الشديد حرص الغمري الذي لم يذكر لنا اسم المحطة التي استقلاها والتي نزلا فيها، ولا حتى الشارع الذي وصلوا إليه بعد خروجهم من المترو، لكنه وصف مكان الوصول بأنه كان غريبًا عن معالم باريس المألوفة له، وقدّر أنه في ضاحية بعيدة عن قلب العاصمة الفرنسية.

في هذا المكان مشيا الغمري مع آزاد حتى وصلا مبنى صغيرًا علم الغمري بعد ذلك أنه فندق ليس كبيرًا. وفيه صعدا إلى صالون صغير ملحق بغرفة خرج منها جلال الطالباني مرحبًا به.

وقبل إجراء الحوار تحدث مام جلال عما يجول بخاطره عن مشاعر الود نحو مصر، والمدة التي قضاها فيها في الخمسينات أيام حكم الرئيس جمال عبدالناصر، ثم بدأ الحوار الذي أجاب فيه الطالباني على كل أسئلة الغمري، ونشر بعد ذلك الحوار في الأهرام.

لم يقتصر الأمر على كونه مجرد إجراء حوار، فليس هذا من عادة مام جلال؛ إذ كان يحاول أن يستفيد من اللقاء بأكثر من ناحية متاحة لما يسعى إليه ويؤمن به. وتدليلا على ذلك يقول الغمري: "في نهاية اللقاء، سلمني جلال طلباني رسالة مغلقة، وطلب مني أن أوصلها إلى الرئيس مبارك". يصف الغمري المظروف بأن: "شكله غريب بالنسبة إلينا، يبدو منتفخًا نوعًا ما، ومغلقًا بطريقة يستحيل معها فتحه، وشرح لي بعض ما جاء في رسالته، قال إن كردستان في مرحلة إعادة إعمار كبيرة، وإنها أرض غنية بالموارد للصناعة والزراعة والتعدين، وأنه يعرض على مبارك إقامة جسور للتعاون الاقتصادي، وإن الباب مفتوح أمام المصريين للحضور من مختلف التخصصات، ولتكن تلك بداية تعاون لنا ولمصر".

رغم الظروف التي كان يمر بها الطالباني وحالة الإحكام الصدّامية على التحركات، إلا إنه كان يتصرف بصفته مسؤولاً عن شعب، ويعمل لإيجاد منفذ لهذا الشعب من محنته من خلال العلاقات الدولية مع من يرى فيهم أنهم قادرون وجديرون في المنطقة من خلال المصالح والمنافع المتبادلة؛ فهو يدرك أن مصر بما لها من دور محوري وريادي في المنطقة تستطيع أن تتحرك في إطار القنوات المشروعة، وأن لديها من القوة البشرية والتقنية التي تفيد وتستفيد. لكن: ماذا كان الموقف المصري تجاه العروض الطلبانية؟

يقول الغمري بعد أن أنهى لقاءه مع الطالباني: عدت إلى القاهرة، واتصلت تلفونيًا بالدكتور مصطفى الفقي، وأبلغته أنني أحمل رسالة خاصة للرئيس (مبارك) من جلال طلباني. وفي الحال أرسل إليّ مندوبًا تسلم مني الرسالة، وانتهت مهمتي عند هذا الحد". ثم يضيف: "وعلمت بعدها أن مبارك طوى الرسالة، ولم يهتم بمتابعة ما جاء بها لحسابات سياسية ارتأها هو".

هكذا ينتهي كلام الصحفي المصري عاطف الغمري عن لقائه مع مام جلال، وهناك الكثير من الرسائل التي تستلهم في مكنونات فلسفة نضال الطالباني، وحجم تضحياته ومغامراته، وسياسات طرق الأبواب، واستغلال فرص المنافذ المتاحة بما يخدم المصالح العليا للطرفين، في وقت كان إقليم كردستان في ظروف عصيبة، مراحل ما بعد انتفاضة 1991م مباشرة، وحجم الضائقة الاقتصادية التي يمر بها الشعب الكردي.

إن فلسفة مام جلال الطالباني في النضال والتضحية وإنكار الذات لابد أن تكون نبراسًا لمن جاء بعده، لاسيما من قادة وكوادر الاتحاد الوطني الكردستاني (وهم على مشارف انعقاد المؤتمر العام في 7 كانون الأول القادم)، للخروج من عنق الزجاجة إلى فضاء أكثر رحابة، يصب مباشرة في صالح المصالح العليا للحزب، ليزداد تعاونه الإيجابي مع بقية الأحزاب فيما يحقق المصالح العليا للشعب الكردستاني والعراقي وعموم شعب المنطقة في الاستقرار والازدهار.

 

د. محمود زايد

 

صور خبرية
  • برتقال ديالى.. منتوج محلي لا يضاهى

  • السيدة هيرو ابراهيم احمد في احدث صورة لها

  • مؤتمر مراكز تنظيمات الاتحاد الوطني الكوردستاني

  • رئيس الجمهورية يبحث مع بلاسخارت مستجدات الاوضاع

  • تساقط الثلوج في حاج عمران

  • تلاميذ مدرسة في شاربازير يلتقطون صورة باول موجة ثلوج للعام الجاري

  • إزدهار صناعة مدافئ الحطب في السليمانية

  • فنان يصمم نصبا لموقد تدفئة تقديرا لدورها في الشتاء


                                           

وصول مساعدات الى غرب كوردستان


وصلت دفعة جديدة من المساعدات الانسانية يوم الخميس الى منظمة الهلال الاحمر في مدينة السليمانية قبل ارسالها الى نازحي غرب كوردستان.

وقال هوزان عفريني رئيس منظمة هاوار لـ  شاب كوردي يضرم النار في نفسه
  صحفي كوردي يحصل على جائزة رفيعة في النرويج

                                           

سالار كوشار: لا مراقب للواقع الموسيقي في كوردستان


سالار كوشار الفنان الموسيقي المبدع صاحب التجارب الفنية التي صقلته مع مرور الزمن وله رؤية فريدة في مجال الفن الموسيقا الكوردية، ويعتبر متخصصا في مجال الفن الموسيقي، فضلا...


  الرحالة بدل رفو والعالم بعيون كوردية وإحساس شاعر على بوابات القاهرة
  لاهور شيخ جنكي: الاتحاد الوطني يؤسس لفكر سياسي جديد
                                           

مسلمة وايزيدي في قصة حبٍّ نادرة بألمانيا

بدأت قصتهما قبل ثلاثين عاماً، عندما أحبا بعضهما وقررا الزواج، رغم معرفتهما مقدماً بما ينتظرهما بعد اتخاذ مثل هذه الخطوة. تخطيا كل الصعاب معاً وكان حبهما زادهما نحو رحلة...


  احياء اليوم العالمي لحقوق الإنسان في عموم العراق
  250 صحفيا سجينا منذ 4 اعوام

كاريكاتیر