العرب والكورد... ما يجمعنا بكم أكبر من صراع السلطة والثروات

الاراء 04:14 PM - 2021-02-06

العرب والكورد... ما يجمعنا بكم أكبر من صراع السلطة والثروات

منذ عقودٍ لا بل قرون يعيش العرب والكورد في فضاءٍ جغرافي واحد، أقاموا حينها علاقات وروابط متينة لم تكن لأبعاد الاختلاف الإثني والمذهبي فيها أي أثر، بل على العكس سادَ التعايشُ السلمي والتلاحم والوئام الذي وصل الى حد المصاهرة والمقاربة وبأجمل صورها، وللأسف الشديد وفي فترات متباينة بعد تأسيس الدولة العراقيَّة الحديثة في العام 1921، تسللت وتسلطت بعض القيادات التي تغالي بالنزعات القوميَّة، التي جعلت منها معياراً "إثنياً" في تصنيف البشر، فكان هناك في نظرهم مواطنون من الدرجة الأولى ومواطنون من الدرجة الثانية، وألحقت هذه النظرة الشوفينيَّة بممارسات ومحاولات تمييزيَّة من أجل تذويب وطمس الهوية القوميَّة الكورديَّة، تعرض خلال فصولها المظلمة شعبنا الكوردي الى أبشع صور القمع والإبادة والتهجير.

وللأمانة التاريخيَّة نقول إننا لسنا الوحيدين الذين تعرضنا الى هذا الظلم ولكننا قد نكون الأكثر، فقد شاطرنا في هذا النصيب، المكون المجتمعي العربي الشيعي، لذا فهذه التشاركيَّة في المظلوميَّة لا تجعلنا نخشى البوح بالسر في وجود نوعٍ من الود والتعاطف لدى شعب كوردستان وأغلب أحزابه وتياراته المجتمعيَّة تجاه شيعة العراق.

لقد عانى هذا المكون المجتمعي الأصيل من التمييز بصورٍ شتى تمثلت بحرمانهم وتهميشهم وإقصائهم من لعب دورهم في إدارة الدولة بما يتناسب مع حجمهم الحقيقي في كونهم الأغلبيَّة العدديَّة تارة، وفي كونهم أصحاب الثروات والعقول تارة أخرى، وفي صفحات أشد قسوة مُنِعوا حتى من ممارسة طقوسهم المذهبيَّة.

تلك القواسم المشتركة من المظالم والمآسي التي لحقت بهذين المكونين على يد الأنظمة الحاكمة، جعلتهما طرفين متقاربين في الكثير من القضايا ومترابطين بأواصر القرابة السياسيَّة والنضال ضد الديكتاتوريَّة، لذا كانت كُردستان العراق بجبالها ووديانها وقراها، على الدوام، ملجأً حاضناً وملاذاً آمناً لمعظم مناضلي الشيعة وأحزابهم في مراحل تاريخيَّة مختلفة حتى سقوط النظام البائد، قاسمناهم فيها رغيف الخبز وشاطرناهم الخوف والحزن على ما جرى لشعوبنا من أنفال ومقابر جماعيَّة ونحن نسير في دروب المصير الواحد المشترك، سالت وامتزجت فيه دماؤنا وتوحدت أقدارنا وجمعتنا المعتقلات وزنزانات الإعدام في انتظار آجالنا، لم نكن لننسى في يومٍ من الأيام ما أفتى به مراجعهم بحرمة قتالنا وإزهاق أرواحنا عندما كنا نتعرض لأبشع عناوين القهر والاضطهاد، ولم ننس احتضانهم لنا عندما نُفينا وهُجرنا الى مُدنهم وكيف كنا نرى مؤازرتهم ومواساتهم لنا على الرغم من كل بطش وجبروت السلطات الغاشمة حينها.

وبناءً على تلك المشتركات والخلفيات السياسيَّة وبعد التغيير الذي حصل عام 2003 وتحرير العراق من بطش الدكتاتوريَّة الصداميَّة، كان طبيعياً أنْ نمضي في التفاهم والتحالف مع ممثلي هذا المكون المجتمعي الأصيل، يحدونا الأمل بأنْ نعيشَ متآخين متحابين متفاهمين في عراقٍ جديدٍ اتحادي فيدرالي تسوده العدالة الاجتماعيَّة وروح المواطنة وسيادة الدستور.

كما لم تقصر قيادات الكُرد في أنْ تلعبَ دوراً مسانداً "وأحياناً" وسيطاً في ذلك الوقت لاشاعة روح التآخي بين العراقيين واحتواء خلافاتهم، وربما الاتفاقيات التي رعاها الكورد والتي أبرمت بين الأطراف السياسيَّة لتشكيل الحكومات، دليل على حضور هذا الدور، لا سيما مع المساعي المخلصة التي كان يبذلها الرئيس الراحل مام جلال طالباني بحماسٍ واقتدارٍ لتوحيد البيت العراقي.

ومع مرور الوقت وبوجود الكثير من التحديات في بناء الدولة الجديدة والظروف الاستثنائيَّة وما رافقها من حربٍ أهليَّة طاحنة عصفت بالبلاد برزت الخلافات وتعثرت التفاهمات وأجلت الاتفاقيات وكان هذا شيئاً منطقياً ومتوقع الحدوث في نظرنا بحكم الكم الهائل من المشكلات والتركة الثقيلة من التعقيدات التي ورثناها عن النظام السابق، مضافاً إليها محدوديَّة تجربتنا في إدارة الدولة وديمقراطيتنا الفتيَّة الهشة، حتى مع وجود الاختلاف القومي (العربي - الكوردي) الذي كان يعتقد البعض أنه ضعفٌ للعراق، كنا ننظر إليه بأنه مبعث قوة له، إنْ استخدمَ بشكله الصحيح، وهي خصوصيَّة لا يمكن التخلي عنها. وكنا نقولها مراراً وتكراراً لشركائنا في الوطن؛ إنّ المشكلة تكمنُ في تحويل الانتماء القومي أو المذهبي الى سببٍ تمحو من خلاله الآخر المختلف. 

وكنا نأمل أننا بتعاون شركاء الوطن سوف ننجح في تخطيها، ولكنْ كان هناك شيء مقلق ومنحى خطير ومخيف، فنحن في كردستان لم نكن لنتصور، أنْ تنقلبَ الأمورُ الى هذه الحالة الصعبة، التي تمثلت في ظهور مواقف إقصائيّة من بين ثنايا هذا المكون الأصيل، في السلطة وأجهزة الدولة تكرس جهدها لإقصاء الآخرين. 

نعم، إنَّ هناك من يحاول أنْ يسيء الى كل شيء، ويتشبه حتى بثقافة الحكومات الدكتاتوريَّة في وصف الخلافات السياسيَّة بإطلاق شتى النعوت على المختلف، وهو ما يجعلنا ننتظر بفارغ الصبر أنْ يتم التحرك باتجاه الحد من غطرسة هذه النخبة وإصلاح الأمور واحتواء الأزمة، إنها دعوة صادقة وبِنيَّة خالصة في التدخل لحماية تلك العلاقة التاريخيَّة المصيريَّة من أجل ضمان رخاء ورفاهيَّة شعوبنا المظلومة، وهذه الدعوة موجهة الى شخصيات من أمثال سماحة آية الله السيد علي السيستاني حفظه الله، والقوى المؤمنة بالعراق الجديد من السياسيين الشيعة ومن الليبراليين والمثقفين والعقلاء من هذا المكون وكل الذين لا يريدون إعادة التاريخ وتشويه المسار وتاريخ نضالنا المشترك.

 

الدكتور مجيد حمه أمين 

عن الانصات المركزي

 

شاهد المزيد

الأكثر قراءة