الموازنة الاتحادية والهيبة الكوردية

الاراء 11:49 PM - 2021-02-02

فائق يزيدي

يعكف مجلس النواب هذه الايام على تشريع قانون الموازنة الاتحادية في البلاد للعام الجاري، وكما العادة في عملية اقرار قوانين الموازنة في العراق فإن التوافق السياسي هو ما يحدد بوصلة واتجاه هذه العملية وبما يحقق المصالح المتبادلة للقوى والاطراف السياسية المكونة للعملية السياسية وخاصة القوى الممثلة للمكونات الرئيسة في العراق وهم (الكورد، الشيعة، والسنة). 

هذا التوافق السياسي في السنوات الاخيرة بدأ نجمه بالأفول الى حد ما، وهو ما بدأ ينعكس على اقرار الموازنة وخاصة في 2018 و 2019، ولم يكن له دور في 2020 لأن ذلك العام لم يشهد اقرارا للموازنة لأسباب عدة، لكن يبقى التوافق الكوردي العربي هو الأبرز في عملية اقرار الموازنة، لأن عدم تحققه ينعكس سلبا على مجمل المشروع، وهو ما لاحظناه في اقرار الموازنات بعد إجراء الاستفتاء في الاقليم وكيف تغيرت مفاهيم عدة في عملية اقرار الموازنة، ولعل ابسطها تخفيض حصة اقليم كوردستان من الموازنة حيث كانت 17% لعدة سنوات لكنها باتت 12.67% بعد الاستفتاء، طبعا مع عدم نسيان الخلافات العربية العربية ايضا ومطالبات القوى السياسية للمحافظات السنية بتخصيصات لمحافظاتهم. 

التوافق الكوردي العربي كان على مر السنوات الماضية الركيزة الاساسية لاقرار الموازنة وبه كانت جميع العقبات تتذلل، لكن بعد الاستفتاء شهدت عملية اقرار الموازنة للعام 2018، مقاطعة الكتل الكوردستانية النيابية لجلسة التصويت عليها، وهو ما انعكس على اقليم كوردستان باستفحال ازمة صرف الرواتب، حيث تعجز الحكومة في الاقليم منذ 2014 عن صرف رواتب الموظفين بشكل طبيعي، وهي بلا شك ازمة ناجمة عن سوء في التخطيط والادارة، وبهذه المقاطعة فإن الكورد خسروا نسبة الـ 17% في هذه الموازنة وباتت هناك حالة من فقدان الثقة بين الاقليم والحكومة الاتحادية، جعل من حل الازمة، الحاجة الى اتفاق سياسي وهو ما حصل عند اقرار موازنة 2019 في زمن حكومة رئيس الوزراء الاسبق عادل عبدالمهدي، بيد ان عدم التزام حكومة الاقليم بتسليم كمية النفط المقرة في قانون الموازنة الى بغداد، ادى الى فقدان الثقة مجددا بين الجانبين وبالتالي اضعاف الدور الكوردي في عملية اقرار الموازنة واعدادها من قبل مجلس الوزراء بفقرات تتعلق بحصة الاقليم مرتكزة بالاساس على تسليم النفط وهو ما يلاقي عدم التزام من قبل حكومة الاقليم تحت ضغط من طرف معين فيها، وبالتالي يتم اقرار الموازنة دون اعتبار للموقف الكوردي، وهو ما يعني ضياع الهيبة الكوردية التي كانت تفرض نفسها في عمليات اقرار الموازنات الاتحادية قبل اجراء الاقليم للاستفتاء. 

اليوم مع مضي مجلس النواب بإقرار الموازنة للعام 2021، يلاحظ ان قوى واطرافا سياسية كوردية لا تزال تتعامل مع هذا الملف بالعقلية ذاتها التي أدت الى اضعاف الهيبة الكوردية، وهو الاصرار  على عدم الالتزام بالاتفاقات واعطاء المبرر للقوى السياسية في بغداد التي تريد استمرار الحال على ما هو عليه، لكن هنا لابد على الكتل الكوردستانية في مجلس النواب العمل بمسؤولية واضاعة الفرصة على اي جهة تريد تهميش الكورد مجددا في الموازنة، ويكون ذلك بلا شك بالاصرار على التزام الاقليم بما يتضمنه مشروع القانون من تسليم النفط وايرادات اتحادية من المنافذ الحدودية، للحصول على حصة الاقليم كاملة وبالتالي انهاء الازمة المالية التي يعاني منها الاقليم وحل مشكلة عدم صرف الرواتب في الاقليم، والابتعاد عن العناد السياسي لأن العمل النيابي يحتاج الى سعة صدر وحوار لتحقيق المطالب وهو ما يغيب حتى الآن عن اداء الكتل الكوردستانية في عملية اقرار موازنة 2021. 

لقد انهى مجلس النواب القراءتين الاولى والثانية للموازنة وهو ما يعني بقاء تحديد موعد للتصويت عليها وهذه الفترة هي التي تحسم أمر عملية التصويت وهي الفترة الاكثر حساسية والاتفاقات السياسية فيها تحسم الخلافات التي تقف امام عملية التصويت، أي ان الكورد اليوم بحاجة الى الذهاب الى اتفاق مع القوى السياسية والالتزام بما يتفق عليه ليتم تمرير الموازنة بحضور كوردي فاعل، خاصة ان مسودة مشروع قانون الموازنة فيها الكثير من الفقرات التي تخدم الكورد وتضمن حصة الاقليم من الموازنة في حال الالتزام بتسليم النفط وايرادات المنافذ، وفي حال لم يتم العمل على ذلك فإن الموازنة ستذهب مجددا لجلسة التصويت واقرارها وفق مبدأ الأغلبية وسيكون شعب اقليم كوردستان المتضرر الأكبر من ذلك لان حكومة الاقليم عاجزة عن حل الازمة المالية ومشكلة الرواتب، ومفتاح حلها بكل تأكيد في بغداد، وفي حال اصرار اي طرف سياسي كوردي على ممارسة العناد في هذه المسألة فإن على الاطراف الأخرى عدم القبول بذلك وعدم الانصياع للرغبات الذاتية والمشاركة بغاعلية في عملية اقرار الموازنة بعيدا عن مبدأ مقاطعة جلسة التصويت لأنها ببساطة لا تجدي نفعا فالمطالبة بالحقوق تحتاج الى مواجهة وحوار لنيلها مع الالتزام بتنفيذ الواجبات المطلوبة، فهل ستعي القوى الكوردستانية آليات العمل النيابي وتثبت حضورها في عملية اقرار الموازنة وتعيد للكورد تلك الهيبة التي افتقدوها جراء الاداء الخاطئ والابتعاد عن آليات العمل النيابي؟.

أعتقد ان قوى كوردستانية ستكون على قدر المسؤولية الوطنية والاخلاقية وستعيد للكورد هيبتهم في المؤسسة التشريعية الأعلى في البلاد، وستغلب المصلحة العامة لشعب الاقليم، ولن تسمح بتكرار الاخطاء ذاتها كما حصل في قانون تمويل العجز المالي والموازنات السابقة، فالأزمة المالية مستفحلة ولا تحتمل المزيد من المغامرات على حساب المواطنين. 

 

فائق يزيدي

شاهد المزيد

الأكثر قراءة