الشهيد ارام صحفيا ومحللا سياسيا

ا.و.ك‌‌‌‌ 02:36 PM - 2021-01-30

الشهيد ارام صحفيا ومحللا سياسيا

كتبت في مرات سابقة عن القيادي الشهيد ارام شاسوار جلال وسأخصص هذا الاستذكار بمساهمته في الحقل الصحفي وذلك لأهمية هذه المساهمة بالنسبة لتأريخ الحركة الكردية وتاريخ الصحافة الكردية على حد سواء. 

بدأ الشهيد القائد ارام نضاله الفكري بالكتابة السياسية في الصحافة الكردية في بغداد وكانت كتاباته في اسبوعية هاوكاري  الرسمية بمثابة  توظيف هذا المنبر الحكومي في تمرير رسائل ومفاهيم تخص حركة التحرر الكردستانية. فمن خلال تحليلاته السياسية عن حركات التحرر لشعوب العالم وخصوصا شعوب العالم الثالث و متابعاته الصحفية لمسار النضال الاجتماعي والطبقي على تنوعها وتوسعها في حقبة السبعينيات كان شاسوار جلال يقدم نماذج لنضالات الاخرين ليكون عبرة ودرسا للمناضلين في  حركة شعبه التحررية في فترة الازدهار والانفراج السياسي المشوب بالحذر  بين الحركة وحكومة بغداد. 

كانت جريدة هاوكاري في بداية عهدها بالعمل الاعلامي تقدم الى جانب اهتماماتها الثقافية والادبية الكردية تقارير وتحليلات سياسية مترجمة عن الوكالات واخرى بأقلام كتاب ومحللين كرد يحاولون شق طريق جديد للصحافة السياسية اعتمادا على درجة الانفتاح الموجود في بداية حكم البعث الذي كان يتشدق بلبوس التقدمية واليسارية. وفي هذا الجو الانتقالي بين الانفتاح و احكام السيطرة والرقابة على الحكم السياسي و على المؤسسة الاعلامية كان الشهيد ارام يمرر افكاره وتحليلاته  لجمهور القراء و الحلقات الثقافية لنواة الكومله بوصفها حركة فتية تبحث عن الغذاء الثقافي وعن ادبيات الشعوب ونضالاتها الطبقية والوطنية .

فمن الحديث عن نضال الشعب الفيتنامي ضد الاستعمار والامبريالية الامريكية بحسب  الوصف  الدارج في كتابات تلك المرحلة الى الحركات المسلحة في افريقيا و فلسطين مرورا بمحاولات الوحدة بين شطري كوريا ووصفها بمحاولات تقدمية للوحدة القومية لشعوب العالم الثالث ، كان ارام يحلل بدقة مسارات ومآلات السياسة العالمية كوظيفة صحافة ملتزمة اولا و كواجب سياسي تجاه نخبة المناضلين ثانيا و تجاه الشعب المكافح الذي كان بحاجة الى وعي فكري وتجربة ثورية جديدة يجمع بين المحلي  المستمد من واقع المجتمع الكردستاني والعراقي وبين الانساني  والاممي المستنبط من نجاحات واخفاقات الحركة الثورية وخصوصا العالم ثالثية منها.

كانت تلك الكتابات الصحفية  من العمق والمعنى الفكري و التفرد والاستمرارية الى درجة انها قدمت مادة تحليلية لكتاب صدر عن منشورات الثورة الكردستانية الجديدة وعن مركز تنظيم عصبة الشغيلة الكردستانية بعد استشهاده في عام ١٩٧٨ ، نشر الكتاب تحت عنوان ارام و النضال الاممي.  وعدت تلك الكتابات جزءا من نصوص التوعية السياسية لكوادر الكومله وتنظيمات الاتحاد الوطني الكردستاني. 

و في الذكرى السنوية الحالية لاستشهاد القائد الملهم لنضالات اليسار الكردستاني على تنوع تلك النضالات اعيد نشر تلك الكتابات في عنوان جديد و حلة جديدة ونأمل ان تكون طبعة منقحة تستدرك مافات من صعوبات النشر في اجواء الثورة.

ورغم ان الكتابة السياسية كانت جزءا من خصال العمل الحزبي لقادة الاتحاد الوطني الكردستاني بوصفهم مثقفين ثوريين اعتبروا النضال الفكري والثقافي طريقا ونهجا ضروريا لتوعية الجماهير والدعاية السياسية للثورة المندلعة في جبال كردستان و على رأس هذا الركب العتيد القائد العظيم مام جلال ، الا ان كتابات الشهيد ارام تميزت باللغة الصحفية الرشيقة والهدوء المطلوبين في المنابر الاعلامية الرسمية خلافا للكتابات الثورية ، السرية منها والعلنية في منابر الثورة ومنشوراتها المكشوفة.

لقد تحدث المفكر التقدمي التركي اسماعيل بيشكجي في كتابه كردستان مستعمرة دولية عن ظاهرة تأثير نضالات الشعوب التحررية والكتابات المختلفة عنها في الصحافة التركية على تطور الوعي السياسي و على تنمية الحس المقارن بين صفوف النخبة الكردية المثقفة ، وعد بيشكجي  ذلك كمرحلة من مراحل تطور الوعي الكردي بقضيته التحررية ونقاط الاختلاف والاتفاق  مع المسار العام للحركة التقدمية في تركيا. ولعل هذا التشخيص المقارن هو الذي كان ديدن الشهيد الصحفي والقائد لعصبة شغيلة كردستان  في قابل الايام من خلال تلك الكتابات و التأثير على وعي وحس الجمهور المتلقي في كردستان.

لم يستمر  ربيع الانفتاح في صحافة الدولة ومنها المتعلق بالشق الكردي في تلك الصحافة وجريدتها هاوكاري ولم يستمر ارام في وظيفته الصحفية حيث التحق بركب الثورة الجديدة ومتطلبات قيادة العصبة بوصفها جناحا رئيسا في الاتحاد النضالي الجديد. 

خسرته الصحافة وكسبه النضال السياسي  وخط بدمه الزكي طريقا مشرفا للقيادة والمشاركة في الثورة الجديدة. لب نداء الوطن و الحركة الثورية وكان هذا الامر بالنسبة للشهيد ارام يشكل اولوية قصوى.

تحية للقلم الصحفي المبدع و للنظارة الارامية الثاقبة و انحناءة تقدير واجبة للقيادي  الشهم في ذكراه السنوية العطرة.

 

 ستران عبدالله 

شاهد المزيد

الأكثر قراءة