إقليم كوردستان على مفترق طرق التحولات الإقليمية

الآراء 05:44 PM - 2026-06-28
د. يوسف گۆران

د. يوسف گۆران

من الواضح أن إقليم كوردستان، الذي تأسس قبل أربعة وثلاثين عامًا بوصفه أول تجربة للحكم الكوردستاني المستقل بعد انتهاء الحرب الباردةعلى يد القوتين الرئيسيتين (الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني)، قد نشأ منذ البداية تحت المظلة السياسية والأمنية للغرب، مستندًا إلى تضحيات شعب كوردستان في حماية المنطقة، غير أنه، وبعد مرور أربعة وثلاثين عامًا على هذه التجربة، وفي ظل التحولات الكبرى التي شهدها الإقليم والعراق والعالم، بات استمرار الإقليم بصيغته الحالية يواجه تساؤلات جدية على الصعيدين الداخلي والخارجي.
تغير البيئة الإقليمية والدولية
في أواخر القرن الماضي، عندما تأسس إقليم كوردستان، برزت موجة عالمية داعمة لحقوق الشعوب الواقعة تحت الهيمنة، وقد عزز شعور الغرب بانتصاره في الحرب الباردة من توجهه نحو دعم الديموقراطية في السياسة الدولية، وفي هذا السياق جاءت عمليات السلام الفلسطينية، ودعم الغرب لتيمور الغربية، ودول يوغسلافيا السابقة، وأرض الصومال، وجنوب السودان، ضمن تلك الموجة الدولية.
واستطاع إقليم كوردستان، رغم ضغوط دول المنطقة، أن يستفيد من هذه البيئة الدولية الجديدة، وأن يؤسس كيانًا يتمتع بحكم شبه مستقل،وهكذا وفرت المظلة الغربية الحماية للإقليم من تهديدات العراق ودول الجوار،واستمر هذا الدعم إلى حد كبير حتى بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، ولاسيما عندما وصلت تهديدات تنظيم داعش إلى أبواب الإقليم، حيث ساند الغرب قوات ال(پێشمەرگە)في التصدي لهذا الخطر الحقيقي وإبعاده.
أما اليوم، فلا يبدو أن الغرب يمتلك، لأسباب متعددة، لا الرغبة ولا القدرة على أداء الدور الذي كان يقوم به سابقًا، فمن جهة، أصبحت الدول الأوروبية، التي كانت شريكًا رئيسيًا للإقليم، منشغلة بإعادة ترتيب أوضاعها لمواجهة التحديات التي أفرزتها الحرب في أوكرانيا، ومن جهة أخرى، شهدت الولايات المتحدة الأمريكية، الحليف الأساسي للإقليم، تحولاً في عقيدتها السياسية واستراتيجيتها، فأصبحت أقل اهتمامًا بإقليم كوردستان وبالشرق الأوسط عمومًا،وبناءً على ذلك، لم يعد بإمكان إقليم كوردستان أن تعتمد على دعم حلفائها الغربيين كما في السابق، وربما أصبحت أكثر حاجة إلى صياغة منظومة سياسية وأمنية جديدة تكفل حماية الإقليم واستمراره.
ظهور قوى إقليمية كبرى
طوال أربعة وثلاثين عامًا من عمر الإقليم، ورغم الحضور القوي للدول الإقليمية، ولاسيما (إيران وتركيا)، في معادلاته الداخلية، فإنها لم تتمكن يومًا، بسبب الوجود الأمريكي القوي وحلفائه، من لعب الدور الحاسم،وقد تجلت هذه الحقيقة بوضوح بعد سقوط نظام صدام حسين، حين تمكن شعب كوردستان بحرية، ومن دون ضغوط حقيقية، من تحديد شكل علاقته بالعراق الجديد.
غير أن العقدين الماضيين، وبخاصة بعد الانسحاب الأمريكي الرسمي الأول عام 2010، شهدا تعاظم دور القوى الإقليمية، التي أصبحت تؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة في الوضع الجيوسياسي للإقليم.
فقد لعبت إيران وتركيا، بوصفهما قوتين إقليميتين قويتين ، دورًا محوريًا في العراق وسوريا ولبنان وعدد من الدول الأخرى، وكان من الطبيعي أن يقع إقليم كوردستان تحت تأثير هذه التحولات.
إن سوء قراءة هذه المتغيرات الإقليمية والدولية دفع الإقليم إلى ارتكاب خطأ استراتيجي تمثل في إجراء الاستفتاء، الذي انتهى بإضعاف مكانة الإقليم في المنطقة.
ومن جهة أخرى، وبعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، كثفت إسرائيل توجهها الاستراتيجي نحو الشرق الأوسط ودول المنطقة، مما أدى إلى إعادة صياغة العقيدة الأمنية والاستراتيجية في المنطقة. وبهذا برزت ثلاثة قوى إقليمية كبرى، وشهدت المنطقة مواجهات مباشرة بين إيران وإسرائيل، وأخرى غير مباشرة بين تركيا وإسرائيل.
ويُرجح أن هذه الحالة الجديدة، التي تشكلت بعد التراجع التدريجي للانخراط الغربي في المنطقة، ستحدد طبيعة التوازنات السياسية والعلاقات الإقليمية، بما فيها أوضاع كوردستان، لسنوات قادمة.


الحاجة إلى التغيير في إقليم كوردستان
كما نرى، فإن منطقتنا تشهد تحولات جيوسياسية عميقة، شملت كذلك الأوضاع الداخلية في إيران وتركيا وسوريا والعراق ولبنان وإسرائيل.
وفي ظل هذه الظروف، يبرز سؤال: هل يستطيع إقليم كوردستان أن يستمر في إدارة نفسه كما كان يفعل سابقًا، وكأن شيئًا لم يتغير؟ وهل تمثل هذه التحولات تهديدًا أم فرصة للإقليم؟ وإذا استمر نمط الإدارة التقليدي، فهل سيتمكن الإقليم من الحفاظ على نفسه؟
سياسيًا، لم يشهد الإقليم منذ توحيد الإدارتين عام 2006 هذا القدر من الانقسام والاستقطاب، فحالة التعاون والتنسيق التي كانت قائمة بعد عام 2003 بين الرئيس مام جلال والزعيم مسعود البارزاني وصلت اليوم إلى أدنى مستوياتها.
كما أن الدورة البرلمانية التاسعة أظهرت، بصورة واضحة، إخفاقها في إدارة كوردستان بوصفها كيانًا موحدًا، وفي التعامل مع مختلف المناطق الجغرافية وسكانها بعدالة ومساواة.
ومن جهة أخرى، أدى تهميش بعض المناطق سياسيًا واقتصاديًا وجغرافيًا إلى إحداث شرخ كبير داخل مؤسسات الحكومة، وتقسيمها عمليًا،وفي النتيجة وبدلاً من أن يصبح الإقليم أكثر قوة ووحدة في ظل هذه الظروف الإقليمية الحساسة، ازداد ضعفًا، حتى بات الحديث يُطرح ولأول مرة خارج الإقليم عن مستقبل الإقليم نفسه.
وفي الواقع، فإن نزعة الهيمنة والاحتكار من جهة، ومحاولات التمرد ورفض السلطة القائمة من جهة أخرى، دفعت بالإقليم نحو مستقبل ينذر بالخطر.
رؤية للمستقبل
من الواضح أن الأزمات الداخلية المتعددة الجوانب سمة مشتركة لمعظم الأنظمة السياسية وأنظمة الحكم، بل إنها من خصائصها الدائمة،لكن ما يميز الدول الناجحة هو أنها تعترف بأزماتها عند وقوعها، وتسعى إلى معالجتها جذريًا.
أما الأزمة في إقليم كوردستان، فهي ليست مجرد أزمة حكومة أو أزمة إدارة، وإنما أزمة في نموذج الحكم، وفي طبيعة مؤسسات الدولة، وفي شكل العلاقة مع المواطنين. ولذلك ينبغي أن يكون العلولذلك ينبغي أن يكون العلاج على هذا المستوى.
ويقدم التاريخ نماذج عديدة لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها من دون تعريض وجودها للخطر، مثل الجمهورية الخامسة في عهد ديغول بفرنسا، وجمهورية فايمار في ألمانيا، والجمهورية التركية بعد وصول أردوغان إلى السلطة، وهي جميعًا أمثلة على تحولات داخلية عميقة في بنية الدولة،إن إقليم كوردستان، إذا أراد تجنب مخاطر الانقسام والاستقطاب، يحتاج إلى إعادة تأسيس نفسه بوصفه "إقليمًا جديدًا" أو "الإقليم الثاني"، يقوم على الأسس الآتية:
1. تقريب السلطة من المواطنين عبر تعزيز الحكومات المحلية، ونقل معظم الصلاحيات الخدمية إلى المحافظات والإدارات المستقلة، وعدم احتكارها في العاصمة.
2. وضع رؤية وبرنامج موحد للعلاقات الخارجية مع العراق ودول الجوار والعالم، يستند إلى مصالح جميع أبناء كوردستان، ويخدم التنمية الاقتصادية والسياسية.
3. إعادة صياغة العقيدة العسكرية والأمنية بما يتناسب مع الواقع الجديد، من خلال تنظيم وتوحيد القوات الأمنية والعسكرية، وتعزيز العلاقة مع الحكومة الاتحادية، والاستفادة من الدستور العراقي، ومن موقع الكورد في بغداد، ومن الحلفاء داخل العراق وخارجه، لحماية الإقليم.
4. إعداد برنامج وطني للتنمية الاقتصادية والثقافية المتوازنة والموحدة يهدف إلى تحقيق تنمية إقتصادية شاملة ومتنوعة، ومن جهة أخرى يجب جعل الثقافة واللغة والتاريخ الكوردي عوامل أساسية في ترسيخ الوحدة والهوية الوطنية، والتصدي للسياسات الثقافية الخطيرة التي تهدد وحدة الهوية القومية الموحدة في الوقت الراهن.
ختاما، في ظل هذه الظروف المعقدة والمتغيرة التي تمر بها المنطقة، يقف الشعب الكوردي وإقليم كردستان أمام مفترق طرق،فإما أن يتصرفا بحكمة كما حدث في عامي 1992 و2006، فيحوّلا التحولات الإقليمية إلى فرصة لتعزيز قوة الإقليم وتنميته، وإما أن يواجها مصيرًا شبيهًا بما حدث في 2017، حيث يزداد الضعف والانقسام والتهميش، مما قد يفضي في النهاية إلى فشل أكبر تجربة للحكم الكوردي في العصر الحديث.

ترجمة: نرمين عثمان محمد / عن العدد (5) من مجلة البحوث الإستراتيجية
PUKMEDIA

 

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket