من مشروع الدستور إلى الدستور النافذ: الفراغ الدستوري وتحديات الاستقرار السياسي في إقليم كردستان العراق

الآراء 09:35 PM - 2026-06-27
د.شيلان فتحي شريف

د.شيلان فتحي شريف

يُعد الدستور الأساس الذي تقوم عليه الأنظمة السياسية الحديثة، فهو ليس مجرد وثيقة قانونية تنظم عمل المؤسسات و يمثل ميثاق الامة كمرجع ام للقوانين بل يمثل العقد السياسي الأعلى الذي يحدد شكل الحكم، ويوزع الاختصاصات بين السلطات، ويضمن الحقوق والحريات، ويضع القواعد التي تنظم انتقال السلطة واستمرار المؤسسات.ففي الأنظمة الفيدرالية بصورة خاصة، تزداد أهمية وجود دستور خاص بكل اقليم، لأنه يشكل الإطار الذي ينظم العلاقة بين مؤسسات الإقليم ومواطنيه، ويحدد طبيعة صلاحياته ضمن الدولة الاتحادية.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار حكومة وبرلمان إقليم كردستان العراق في العمل من دون دستور نافذ، رغم وجود مسودة دستور أُعدت منذ سنوات، يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه تجربته السياسية والمؤسسية التي دامت لسنوات عديدة اذ ان المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بوجود نص دستوري من عدمه، وإنما أصبحت مرتبطة بقدرة هذا الكيان والنظام السياسي على إدارة الخلافات داخل الاقليم ومع الحكومة الاتحادية على حد سواء.اضافة  إلى تنظيم الانتقال السلمي للسلطة وضمان استقرار المؤسسات في ظل غياب مرجعية دستورية عليا وملزمة.
لقد استطاع إقليم كردستان خلال العقود الماضية بناء مؤسسات سياسية وتشريعية وتنفيذية، وتطوير تجربة حكم  متميزة في العراق والمنطقة، إلا أن هذه التجربة بقيت تعاني من نقص أساسي يتمثل في عدم اكتمال البناء الدستوري لها فالمؤسسات تحتاج إلى قواعد واضحة تحدد صلاحياتها وعلاقتها ببعضها البعض، ولا يمكن أن تعتمد بصورة دائمة على التوافقات السياسية بين القوى المختلفة كما كان ومازال الحالي عليه في الاقليم ، لأن التوافقات بطبيعتها متغيرة وقد تتأثر بتوازنات القوة والمصالح الحزبية.
وقد انعكس غياب الدستور النافذ بصورة واضحة على طبيعة الخلافات السياسية داخل الإقليم. فالاختلاف بين القوى السياسية أمر طبيعي في أي نظام ديمقراطي، لكن المشكلة تظهر عندما لا توجد قواعد دستورية واضحة لحسم هذه الخلافات. ففي العديد من القضايا المتعلقة بصلاحيات السلطات، وطبيعة النظام السياسي، وآليات اتخاذ القرار، وانتقال السلطة، أصبحت التفاهمات السياسية بديلاً عن النصوص الدستورية، الأمر الذي جعل الأزمات تتكرر باستمرار مع انتهاء مدة كل حكومة من دون حلول مؤسسية دائمة.
ومن أبرز مظاهر هذا الفراغ استمرار حالة الجدل السياسي حول المرحلة الانتقالية بعد الانتخابات الأخيرة، حيث أدى تأخر تشكيل حكومة جديدة إلى استمرار الحكومة السابقة في ممارسة مهامها لفترة طويلةو بكامل الصلاحية. وهذه الحالة كشفت عن معضلة غياب قواعد دستورية تفصيلية تنظم وضع الحكومة خلال الفترات الانتقالية، وتحدد حدود صلاحياتها، وتضع آليات واضحة لضمان الانتقال السلس للسلطة. فوجود دستور نافذ كان يمكن أن يوفر إطاراً قانونياً يحسم هذه المسائل ويمنع تحولها إلى أزمة سياسية مفتوحة بين القوى المختلفة.
إن استمرار هذا الوضع لا يؤثر فقط على العلاقة بين الأحزاب، بل ينعكس أيضاً على ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة، وعلى مبدأ التداول الديمقراطي للسلطة، وعلى قدرة النظام السياسي على التطور. فالحكم الرشيد لا يقوم فقط على وجود انتخابات ومؤسسات، بل يحتاج إلى قواعد دستورية مستقرة تضمن أن تكون السلطة خاضعة للقانون وأن تكون المؤسسات أقوى من الخلافات السياسية.
وتظهر التجارب الديمقراطية في ذات النظام الفيدرالي أهمية وجود دستور خاص بالأقاليم والولايات التي تتمتع بصلاحيات واسعة. ففي ألمانيا، تمتلك الولايات، ومنها بافاريا، دساتير خاصة بها تنظم مؤسسات الحكم وتحدد العلاقة بين البرلمان والحكومة والقضاء، مما ساهم في تحقيق استقرار مؤسسي واضح داخل النظام الفيدرالي الألماني. وفي الولايات المتحدة، تمتلك ولايات مثل كاليفورنيا وتكساس دساتير محلية تحدد صلاحيات السلطات، وتنظم الانتخابات، وتحمي الحقوق على مستوى الولاية، إلى جانب الالتزام بالدستور الاتحادي. كما وتقدم تجربة كتالونيا مثالاً مهماً في مجال تنظيم الحكم الذاتي، إذ تستند إلى نظام أساسي للحكم الذاتي يحدد مؤسسات الإقليم وصلاحياته وعلاقته بالحكومة المركزية. وعلى الرغم من وجود خلافات سياسية بين الإقليم والمركز، فإن وجود إطار قانوني واضح يجعل طبيعة الخلافات وحدودها أكثر تحديداً.
وتكشف هذه النماذج أن وجود دستور أو نظام دستوري خاص بالإقليم لا يعني إنهاء الخلاف السياسي، بل يعني تنظيمه ضمن قواعد واضحة تمنع تحوله إلى أزمة مستمرة. فالدستور لا يلغي التنافس بين القوى السياسية، لكنه يضع حدوداً لهذا التنافس ويمنح المؤسسات القدرة على الاستمرار بعيداً عن الأزمات المتكررة.
عليه فإن إقليم كردستان اليوم بحاجة إلى الانتقال من مرحلة مسودة الدستور إلى مرحلة الدستور النافذ، ليس باعتبار ذلك إجراءً قانونياً فقط، بل باعتباره خطوة سياسية ضرورية لاستكمال تجربته المؤسساتية. فالدستور المطلوب يجب أن يكون إطاراً جامعاً يحدد شكل النظام السياسي، وينظم العلاقة بين السلطات، ويحمي الحقوق والحريات، ويضع قواعد واضحة لانتقال السلطة والمساءلة.
إن استمرار غياب الدستور يعني استمرار حالة عدم اليقين بشأن العديد من القضايا الأساسية، ويجعل النظام السياسي أكثر اعتماداً على التوافقات المؤقتة بدلاً من القواعد الدستورية الدائمة. أما إقرار دستور نافذ ومتوافق عليه، فإنه سيمثل مرحلة جديدة في تطور تجربة الإقليم، ويعزز الحكم الرشيد، ويمنح المؤسسات استقراراً أكبر، ويضع أساساً قانونياً وسياسياً لمستقبل أكثر وضوحاً واستدامة.
ومن هنا فإن التحول من مسودة الدستور إلى الدستور النافذ لم يعد مطلباً مؤجلاً، بل أصبح ضرورة ترتبط بمستقبل الاستقرار السياسي والمؤسسي في إقليم كردستان العراق.

أكاديمية وناشطة سياسية 

PUKMEDIA

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket