PUKmedia فتح الله حسيني 11/12/2009 16:25
طيلة مسيرته الإبداعية الطويلة والغنية كان الشاعر الكردي العراقي جلال زنكابادي شاعراً حراً في كل شئ، في الكتابة وفي العزلة وفي هلوياه، وفي أثقال كلماته، وفي أروقة قصائده، هذا ما يترأى للقارئ الاول لمجموعته الجديدة الصادرة للتو تحت عنوان "قصائد تأبى أي عنوان" والتي يحاول فيها الشاعر جلال زنكابادي، التربص بالكلمة الجميلة والرصينة وربمكا المنسية، كتربصه بطريدة فريدة ونادرة وغير مألوفةة، تماماً كتربصه بجندي قد يغار على مملكته الحزينة وهو في خندقه العلني لا السري، لانه شاعر، وكلمة شاعر اكثر وضوحاً من كلمات أخرى.
يفضفض الشاعر زنكابادي في مجموعته هذه عن، ويسرد أهوال لغزه، وطقوس لا مرئياته، ومجاهره وكواكبه واستلطافاته وطوافينه وبراكينه وزلازله، لأنه وإن كان، ردحاً، منسياً، فهذا لأنه شاعر، شاعر يذكرني باولئك الذين كتبوا طويلاً بصمت، ومارسوا شغبهم وفوضاهم بصمت أيضاً، وركنوا الى ركن هادئ في مقهى أو نادي او مطعم بصمت من نوع آخر، الى أن كانت دوي كتاباتهم في خصوصية كتبهم ونتاجاتهم، تماماً، كأنني الآن إزاء هذه المجموعة، حيث يكتب الشاعر زنكابادي:
وا لُغزاه، ما أصغركِ!، أيتها اللامرئية حتى بالمجهر، ويلاه، ما أمحقَك، ربما تبيدين حتى كوكبي، بأعتى الزلال، البراكين والطوافين، آه كم، أستلطفك وأستألفك، ألم تستضفك، قصائدي، أغنياتي ولوحاتي؟ ألم تشد لك، أشجاري،أسماكي ويماماتي:
-حنانيك،رفقاً، بهيدروسفيري، جيوسفيري وأتموسفيري، لا تكفني، بإشعاعك مستقبلي، يا لغزَ مصيري..
هكذا هو زنكابادي الذي عرفته منذ توليه سكرتير تحرير مجلة "القافلة" الفصلية التي كانت تصدرها وزارة الثقافة في حكومة إقليم كردستان في منتصف التسعينيات، ثم لأقرأ له متفرقات من القصائد الطويلة في الصحف المتناثرة هنا وهناك، لأكون، راهناً، أمام محجموع مجموعة كاملة من قصائده التي تثير في القارئ حفيظة الجنوح نحو القراءة، حنيناً، ربما الى ديمومة القصيدة التي ربما بتنا نتنحى عنها بعد رحيل خليل حاوي ورياض صالح الحسين، لنكون، قبل ذلك وفيما بعد أيضاً، امام حالات كبيرة استثنائية في الشعر العربي مثل حالة أدونيس ومحمود درويش وسليم بركات ونزيه أبو عفش والسياب والماغوط ويوسف الخال وأنسي الحاج، ثم لنكون، بالتالي أمام حالات كنا قد تناسيناه عنوة، ولكن لا إراديا بكل تأكيد، تماما كما في حالة الشاعر جلال زنكابادي.
يكتب زنكابادي قصيدته على جمر حارقة، لذا تراه قلقاً كقلق شجر على مصير قطعه، وتراه متاملاً ووحيداً كانه يقول ويتمتم لنفسه، لماذا كل هذا الصخب؟ فالحياة جمالها في هدوءها:
يقول في إحدى قصائده "هكذا، ربما، رووا، أيام تكلمت الأحجار، في غيهب منساي، راوية لي، كنت رهينة شموس عمياء وأقمار صلعاء، وراء أقسى قضبان الزنازين اللامرئية، تخاصرني بضع أياد نائحة، بينما يسوّطني، غيث صمتك المجذوب يا منيتي..
وتطل منيته عظمى، ولا يسعه الا اللوذ بقصيدة أيمى، لتحلق هي، بعد وجبة رقص، لتكون النتيجة "ما أحلاك أيتها الأمر من المرارة.
تحلينا قصائد مجموعة "قصائد تأبى اي عنوان" في قصائدها الطويلة، والمتعددة الأشكال والترتيبت الى روح التجريب المتجدد لدى الشاعر زنكابادي، لأننا نكون في جميع الحالات، منتمين الى القصيدة بذاتها وروحها وموضوعها، ليخاطبه النفري: يا أغرب الغرباء، يا من حيرتني حتى تبلبلت حتى مرآتي، فوجهك لا يعرف وجهك في وجهي، فلا تبصق في عيني، بل إصفع خديك على التوالي يا حائر الحيارى.
قصيدى زنكابادي قصيدة بسيطة ومعقدة في آن واحد، لأنها تهتم بشؤون الحياة، ولأنها تعلمنا ماهية روح الحياة وجمالها قبل الوصول الى وساخة العالم من حولنا.