لا تجعلوا من انتهاك الدستور عرفاً

 

بلند شالي    20:03:31    2010-07-29

يبدو أن أوضاع البلاد السياسية قد دخلت مرحلة حرجة للغاية بعد أن تم انتهاك التوقيتات الدستورية في اختيار الرئاسات الثلاث للبلاد (الجمهورية، الوزراء والبرلمان)، وبعد أن استنزف جميع الاقتراحات والحلول الواقعية وغير الواقعية والحلول والمقترحات الداخلية الوطنية والخارجية سواء من دول الجوار أو دول اخرى لها تأثيرها على واقع الحال في العراق بشكل أو بآخر. وانطلاقاً من هذا الواقع، بدأ الشعب جدياً يملُ من انتظار تشكيل الحكومة والصراع الدائر على أحقية من سيشكل الحكومة وخاصة بين الكتلتين الكبيرتين (دولة القانون والعراقية)، كما وبدأ صبر العالم ينفذ وأعين مجلس الأمن على العراق، وحذار يا ساسة العراق من إهمال المحافظة على سيادة العراق وإعادته إلى ما كان عليه في بدايات ما بعد عملية تحريره في العام 2003، ولا تنسوا أن العراق يقبع تحت طائلة البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة والذي يعتبر "العراق ناقص السيادة ولم يبلغ الرشد، ولا يستطيع ان يتحمل أعباء الدولة وشؤونها"، وحذار من غضب الشعب الذي ملَ من عدم وجود أي شيء يفرحه ويفتخر به وكأنه الوحيد من بين شعوب دول المنطقة الذي لا يملك شيئاً، حيث لا كهرباء، ولا مياه صالحة للشرب، ولا خدمات، وهو كذلك بالفعل، وأصبحت حكومته حكومة تصريف أعمال. وحذار من امتعاض هذا الشعب الصبور المجروح والمظلوم من قبل الأنظمة التوتاليتارية السابقة ومظلوم في زمانه هذا، من قبل مَنْ انتخبهم تحت ظل خيمة الديمقراطية والدستور المستفتى عليه في أكبر استفتاء شعبي عرفه العراق منذ تأسيسه.

حذار يا ساسة العراق من جعل انتهاك الدستور عرفاً، فإذا تم انتهاكه لمرات ومرات واختلف عليه الساسة والقضاة والمشرعون، ستبقى البلاد من دون مرجع قانوني وسياسي يحفظ للعراق هيبته وينتقص من ديمقراطيته الناشئة ويوفر الأرضية الملائمة للتدخلات الإقليمية والدولية، وهذا بالطبع لا تصب في مصلحة البلاد ولا في مصلحة الشعب وسيزيد الطين بلةً ويثير الفتن الطائفية والقومية، حيث كل قوة خارجية ستدعم قوة داخلية، ولا أريد أن أشير الى أن هناك تجارب مماثلة من ويلات الشعوب جراء التدخلات الخارجية، من قرأ تاريخ المنطقة يعرف جيداً ما ستؤول اليه الحال.

أن معضلة مَنْ سيشكل الحكومة، أدخلت البلاد في متاهات مظلمة وحلقة فارغة، وجعلت من تشكيل الحكومة حلماً بعيد المنال، ولا يبالي المواطن البسيط من سيشكل الحكومة، الكتلة الكبيرة في مجلس النواب (التحالف الوطني)، أم القائمة التي فازت بأكثرية المقاعد (ائتلاف العراقية)، فما  يهم الشعب تشكيل الحكومة، حكومة تقدم له الخدمات، حكومة تحفظ له كرامته وأمنه وتوفر له الخدمات كباقي أبناء البشر والحكومات.

الجميع يدعون للإسراع الى تشكيل الحكومة ويؤكدون أن هذا التأخير يؤدي إلى خلق الفراغات الأمنية والإقتصادية والخدمية، إلا أن معضلة منصب رئيس الوزراء ما زالت قائمة وتتحكم بمجريات المفاوضات الجارية بين الكتل الفائزة وخاصة كتلتي (العراقية ودولة القانون)، ولا أعتقد أن هذه المعضلة ستحل عن قريب لأن الحديث يدور ويدور حول من هو الأكثر أحقية في تشكيل الحكومة دستورياً، وعلى الرغم من الموقف الواضح للمحكمة الإتحادية حول هذا الموضوع إلا أن ائتلاف العراقية ما زال متمسكاً بموقفه ويعتبر أن من حقه تشكيل الحكومة "دستورياً".

ومن هذا المنطلق، أقترح أن يعقد إجتماعٌ موسع في أقرب فرصة لقادة الكتل الفائزة (العراقية، دولة القانون، الائتلاف الوطني، ائتلاف الكتل الكوردستانية)، بحضور خبراء قانونيين، وذلك لتدارس موضوع توزيع الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث، وخاصة تقليل صلاحيات رئيس الوزراء وبالأخص إحالة صلاحيات القائد العام للقوات المسلحة إلى لجنة خاصة برئاسة رئيس الجمهورية وممثلين عن رئاسة الوزراء ووزارة الدفاع ورئاسة الأركان، ووضع آليات وضوابط محددة لعمل مجلس الوزراء بحيث لا يتمكن رئيس الوزراء من التفرد بإتخاذ القرارات، وبذلك نحل جزءً كبيراً من الصراع الدائر حول منصب رئيس الوزراء، وبالتالي سنخطوا خطوات كثيرة نحو تشكيل حكومة شراكة حقيقية.