أهلاً بدولة كوسوفو المستقلة

الدكتور عثمان الرواندوزي- لندن:   13:09:38       2010-07-25

كنت أكتب في موضوع آخر مشابه لموضوع هذا العنوان تلقيت نبا رأي محكمة العدل الدولية بشأن إستقلال كوسوفو. فبادرت الى إجراء التغيير في الموضوع والمادة لتكون كما يلي.

تفككت جمهورية يوغسلافيا الاتحادية ومرت شعوبها بالعديد من الكوارث والمآسي البشرية لا لسبب إلا للغطرسة العنصرية والحكم الشمولي متمثلاً بقادة دولة صربيا التي أرادت إبقاء سيطرتها وإستمرار فرض حكمها على بعض شعوب الجمهورية السابقة، في زمن يشهد العالم تغييرات جذرية في السياسة والعلاقات الدولية ومراكز القوى الكبرى في العالم.

كانت كوسوفو وشعبها إحدى ضحايا تلك الغطرسة، فشهدت أبشع جرائم الابادة الجماعية ضد سكانها بجميع ألوانها وشرائحها وبالذات المدنيين والنساء والأطفال منهم. وبعد أن فاقت جرائم الابادة الجماعية في تلك المنطقة كل التصورات أدانتها العديد من دول العالم ووقفت أغلب القوى الكبرى ضد المعتدي، وساندت سكان ذلك الاقليم بمختلف الوسائل ومنها العسكرية واللوجستية والقانونية. بالنتيجة تمكن سكان الاقليم وبالدعم الخارجي والدولي من الوقوف بوجه المعتدي، فحصل سكان ذلك الاقليم على شيء من الاستقلالية. ثم أعلن الاقليم منطقة مستقلة أي تشكيل دولة مستقلة. أعترفت بها بعض الدول، الا ان صربيا وهي من بقايا دولة يوغسلافيا السابقة وروسيا عارضتا ذلك ولم تعترفا بها.

تم عرض مسألة استقلال كوسوفو من جانبها وحدها على محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة ومقرها في مدينة لاهاي الهولندية لبيان رأيها القانوني بشأن مدى توافق قرار الاستقلال مع نصوص وأحكام القانون الدولي. وبعد نقاشات ودراسات أعلنت المحكمة المذكورة بتأريخ 22 | 7 | 2010 رأيها الاستشاري القاضي بأن قرار كوسوفو بمنح إقليمها الاستقلال لا يعتبر إنتهاكاً للقانون الدولي.

فور إعلان المحكمة المذورة رأيها المذكور، بادرت كل من صربيا وروسيا برفض الرأي المذكور، وأعلنتا عدم إعترافهما بدولة كوسوفو المستقلة، إلا أن الأمم المتحدة بادرت فوراً فحذرت من أية إستفزازات لدولة كوسوفو بعد صدور الرأي الاستشاري للمحكمة. وهذا يعني تحذير صربيا وغيرها من عواقب أي إعتداء على كوسوفو.

إن عدم إعتراف صربيا وروسيا باستقلال كوسوفو لا يشكل أي عائق أمام كوسوفو لتكون دولة مستقلة منضمة الى هيئة الأمم المتحدة كدولة كاملة العضوية فيها.

إننا في الوقت الذي نتعرض الى هذه المسألة، نرى ضرورة لفت إنتباه الدول والشعوب والأفراد لاسيما في العراق والدول المجاورة وشعوبها وبالذات قادتها وساستها ومفكريها ومثقفيها وعامة الناس بشكل عام الى ما يجري في العالم، وعالم اليوم ليس كعالم ما قبل بضع عقود من السنين. عالم تحقق فيه الكثير من أجل حماية وحقوق الانسان والعدالة والمساواة، ومن أجل الديمقراطية، ونبذ الارهاب والدكتاتورية والحكم الشمولي والتفرقة العنصرية وما الى ذلك، للشعوب وحتى على مستوى الأفراد.

لهذا يؤسفنا أن نجد اليوم العديد من الأصوات النشاز التي تعلو بين الفينة والفينة ومن أماكن مختلفة ولجهات مغايرة تغرد خارج السرب، وتحلم بأحلام الماضي البغيض، لا لسبب إلا لأن الكورد في العراق يطالبون بالمساواة مع غيرهم من المواطنين، وضمان حقوقهم القومية المشروعة ضمن دولة اتحادية فدرالية، وتطبيق الدستور، والكف عن إلحاق التهم الباطلة بهم، أو إرتكاب أبشع الجرائم بحقهم كأفراد وكمجموعات وكشعب يعيش على أرضه وينفق من ثرواته وموارده.

لا يفتأ يوم- ليس الآن وحدها، إنما حتى منذ عقود خلت- إلا وتقع أعيننا على كتابات في أوراق أو صفحات صفراء هنا أو هناك، أو لا نسمع الخبث والكذب والنفاق من هذا أو ذاك، سواء على مستوى العامة، أم على أعلى المستويات السياسية أو الثقافية ناهيك عن غيرها من مؤسسات حكومية أو حزبية- ومن دون تعميم- تتهم القيادات الكوردية والكورد – بسبب أو من غير سبب- بالانفصال أو التقسيم وما الى ذلك من عبارات يتعمدون في التلصيق بهم وتهويلها، لمجرد مطالبتهم بأبسط الحقوق القومية أو مجرد التعبير عن شيء منها أو حتى تخيلها. تلك الكتابات والمواقف التي تعبر عن إزدواجية المواقف وتناقضاتها والأمراض النفسية والعقلية لاصحابها، حالما يتعلق الأمر نفسه ببني قومهم أو ممن يرغبون بهم من الغير حتى ولو في أعالي البحار أو أقصى الممالك، ولأعلى درجات المطالبات بغض النظر عن مسألة الأحقية. ولو بات من المؤكد تناقص أعداد هؤلاء، وبالحتم والوجوب استمرار هذا التناقص لا دفاعاً عن القيادات الكوردية ومواقفها ونياتها السليمة، أو الدفاع عن حق الشعب الكوردي ومضالمه ومآسيه القومية والانسانية الكبرى على مر الكثير من السنين في أية بقعة من أرضه فقط، بل للدفاع عن الحق أولاً، والانسانية تالياً، والمصلحة العامة سواء في الأمن والاستقرار و العلم والاقتصاد والسياسة والثقافة والاجتماع ومختلف جوانب الحياة للجميع بعد ذلك.

إنه لمن دواعي السرور أن كان ولا يزال تزداد الأعداد وتعلى الأصوات وتكبر تأثيرات بعض اصحاب الضمائر الحية والنفوس الصحية والمؤمنين بالمبادئ الإنسانية الحقة والحقوق المتساوية للجميع في مختلف أصقاع العالم بالضد من العنصرين والفاشيين والجهلة والمتخلفين المجردين من أبسط معاني الحق والعدالة والمساواة، ليقر الأوائل بحقوق غيرهم من الشعوب، ويدافعوا عنها بكل ما أوتوا من قوة عضلات أو لسان أو فكر وقلم. إنهم محل تقدير وإعجاب. إنهم رسل حق.

ولكن يتبادر الى الذهن هنا سؤال يطرح نفسه وهو: لماذا كل هذه الضدية ونكران حقوق الشعب الكوردي ومحاربته من قبل كل هؤلاء؟

لا يستطيع أحد إنكار وجود الكورد وسكنهم على أراضيهم الحالية التي تشكل وحدة جغرافية واحدة منذ أقدم الأزمنة وقبل تواجد غيرهم من الشعوب المجاورة، واختلافهم عنها في العنصر واللغة بالدرجة الأساس، وفي العادات والتقاليد والأعراف والتراث وفي وقت ما- وعند البعض للحين- في الدين أيضاَ بدرجة أقل. وشهد التاريخ لهم بدول وإمارات مستقلة في أزمنة مختلفة. إلا ان ظروف الكورد وجغرافية مناطقهم والمصالح المتناقضة للقوى الاقليمية المتعددة المتنافسة المحيطة بالكورد من جميع الجهات، فضلاً عن مصالح القوى الكبرى في العالم وبالذات بعد الحرب العالمية الاولى، كانت أسباباً لما عليه الكورد اليوم من تقسيم لأمتهم ووطنهم، وتجزئة لجهودهم ونضالاتهم، لا بل والعداء والحروب والقتال فيما بينهم في كثير من الأحيان لمصلحة أعدائهم وأعداء وطنهم وحقوقهم المشروعة، ومن غير أن يكون لهم أي كيان مستقل في أي جزء من أجزاء وطنهم المسلوب. وألا فليس من فوارق بين الكورد وغيره من الشعوب سواء المجاورة أو البعيدة، ولا ينقصهم شيء من شروط ومقومات أن يكون لهم كيان مستقل يجمعهم كلاً أو جزءاً لا قبلاً ولا الآن أو في المستقبل.

غالبية الأمة الكوردية متمسكة بالدين الإسلامي، بل ومن المتحمسين للعقيدة المحمدية الصحيحة البعيدة عن التطرف والعنصرية والاشكالات الطائفية أو الخلافات المذهبية. وتعيش مع العرب والفرس والترك وغيرهم وهي شعوب غالبيتها العظمى بضمنها حكوماتها ومسؤوليها وأحزابها ومؤسساتها تدين بالاسلام. والاسلام الصحيح هو خير من يعبر عن الحق والعدالة والمساواة والديمقراطية وحقوق الانسان وغيرها من الحقوق التي ناضلت الشعوب في أرجاء المعمورة لنيلها في فترات زمنية متباينة وتنادي بها المجتمعات المتمدنة والعلمانية في الوقت الحاضر. فمن هذا المنطلق أليس حري بالمسلمين في العراق وبالذات العرب منهم وفي الخارج وبجمهورية إيران الإسلامية وتركيا الإسلامية والعلمانية وسوريا التي يقودها رئيس شاب مثقف واع أن يلتفتوا الى منطق الحق والعدالة والمساواة تجاه حقوق الشعب الكوردي في تلك الدول؟ أليس من واجب مثقفي تلك الدول وغيرهم إظهار صوت الحق وإفهام من لا يعرف أو لا يريد أن يعرف حقوق الشعوب ومنها الشعب الكوردي الموجود على ترابه في  تلك الدول؟ أليسوا جميعاً حكاماً ومحكومين ، مثقفين وعامة الناس بمدافعين عن الشعب الفلسطيني في جميع حقوقه بضمنه تشكيل دولة مستقلة؟ ألم يساندوا الكثير من شعوب العالم المختلفة حين مطالبتها بحقوقها القومية المشروعة؟ ألا يعرفوا تاريخ الأمم والشعوب، كيف ناضلت وحاربت الى أن حصلت على حقوقها القومية والوطنية المشروعة؟ ألم يمروا هم أنفسهم بمثل هذه الظروف؟ أهو من العدل والحق والانصاف - لمجرد التخمين- أن لا يكون للكورد كيانهم المستقل حالهم حال شعوب العالم؟ وهل من المعقول أن يكون شعب واحد بأكثر من عشرين دولة وحكومة، وكل واحد منها ينادى شعبها باسم اقليمها المستقل كأنه شعب مستقل عن أشقائه الآخرين تبعاً لحكومتها المستقلة، وبعضها بأكثر من اقليم واحد أوحكومة واحدة، بينما يحرم الشعب الكوردي من هذا الحق؟ أو هناك شعوب لا يتعدى عدد نفوسه الا بضعة مئات الآلاف لهم دولتهم المستقلة، بينما الكورد بعشرات الملايين، أقل جزء يعد بالملايين لا يحق لهم المطالبة بابسط الحقوق القومية المشروعة! وكم من الامبراطوريات أو الإتحادات المنضوية تحتها العديد من الحكومات والشعوب قد أفل نجمها ونتج عنها العديد من الدول المستقلة تبعاً لاختلاف شعوبها؟ وكم هي مشاكل الحدود بين بعض الدول العربية ذاتها، ناهيك عن الدول الاخرى المتعددة المؤلفة من شعب واحد؟ ولماذا لا أحد يتهم أية جهة لبنانية بالانفصال أو تقسيم البلاد، رغم الفرق بينها وبين العراق مثلاً من حيث الانتماءات العرقية؟ وكم عدد الدول الاتحادية الفدرالية في العالم وهي في أوج نجاحها؟ أيوغسلافيا السابقة والصومال الحالية والسودان بكوكب آخر غير معروف لدى هؤلاء؟

أسئلة فرعية كثيرة تفرض نفسها، ولكن لو إكتفينا ببعض ما أوردنا، أليس من العجب أن يقف البعض كل هذا الموقف الشديد وبالضد من الكورد الذي لم يطالب لحد الآن الا بجزء بسيط من حقوقه القومية المشروعة المسلوبة، في وقت قدم ولا يزال يقدم التضحيات الجسام والتنازلات الكبرى من أجل غيره من الشعوب القاطنة معه؟

toolbar powered by www.mit3xxx.de