
فينوس فائق 12:56:20 2010-07-12
لم أكتب طوال حياتي عن أسماء معينة، و إنما عن قضايا بعينها، عدا هذه المرة و مرة واحدة قبلها كتبت فيها مقالة عن المفكر نصر حامد أبوزيد بعنوان (نصر حامد أبوزيد ماذا يخفي بين أوراقه) عندما منع من دخول الأراضي الكويتية. ذلك الإجراء الذي يحدثه عكسه تماماً في الغرب المتنور، حيث هناك قوائم بأسماء الإرهابيين لملاحقتهم و تخليص المجتمع البشري من شرورهم، في حين أن الآية في الشرق تنقلب، بحيث يتجول الجهلة الظلاميون بحرية و من معهم من إرهابيين من حملة الأحزمة الناسفة بحرية، و تصاغ قوائم سوداء بأسماء المفكرين و النشطاء في خدمة المجتمع من أمثال الدكتور أبوزيد.. و هذه المرة أعود لأكتب مرة أخرى عن هذا الرجل الذي فارقنا بصمت و كبرياء..
ما آلمني أن الكثيرين لم يخجلوا من إظهار فرحتهم بوفاة هذا الرجل الذي تدين له المجتمعات الإسلامية بالكثير من المنجزات الفكرية و الطروحات التي تصب كلها في خانة خدمة هذا الإنسان الذي هو ولي الله على الأرض..
إلتقيت مرة واحدة بالدكتور نصر حامد أبو زيد، و كان لي معه حوار عن الدين و الدنيا، عن الإصلاح و أمور و قضايا فكرية كثيرة كانت تشغل باله.. لم أشعر للحظة أنه غير متدين أو كافر كما كانوا يروجون عنه، و إنما وجدته إنساناً بقدر كمال و رقي أخلاقه و فكره، كان مليئاً بالدين و ذكر الله و الدعوة إلى التسامح و نشر ثقافة الإصلاح و الخلاص من الشوائب التي يفرضها المتشددون قصد تشويه الدين و تفريغه من قيمه الفكرية و الإنسانية.
جل ما أعجبني في هذا الرجل المفكر أنه كان يدعوا بإصرار إلى تبني الخطاب العقلي في التحليل و الدراسة الدينية و نبذ التشدد القائم على أساس تحليل الدين بالإعتماد على نظرة أحادية متطرفة. خلال لقائي بهذا الرجل لمست فيه إلى جانب بساطته و تواضعه غير المحدودة والتي قل ما نجدهما هذه الأيام عند الكثيرين ممين يسمون أنفسهم مفكرين و مصلحين، لمست لديه أيضاً مساحة واسعة للتكفير غير المحدود التي تستند إلى آفاق لا تحد من إرتفاعه أي سقف، سواء فكري أو إنساني أو ديني، و أنه كان يرى في الدين مشروعاً إنسانياً لخدمة البشرية و ليس العكس كما يتصورها المتشددون.
ناقشته مطولاً عن المرأة وجدته يحمل في جعبته لها مشروعاً إنسانياً رائعاً، و طرح أسسا علمية لتبني فكرة مشاركة المرأة في كافة الميادين أسوة بالرجل بدون أية قيود. و أكد بشكل جاد على ضرورة أن تقبل المرأة بالتحدي لكي تنال نصيبها و تشارك في إدارة المجتمع.
لقد كانت أفكار الدكتور أبو زيد دائماً محل جدل، لأنها كانت أفكار إلى جانب كونها تحمل كل جديد، كانت تحمل روح التحدي و التغيير و الإجابي و نبذ التعنت و التشدد، و الإنفتاح بوجه الآخر و القبول بفكرة التغيير و الإصلاح و مد جسور التحاور العقلاني القائم على أرضية صالحة من تبني الأفكار التي من شأنها خدمة الدين الذي جاء لخدمة البشرية و ليس لترهيبها.
الكتابة عن نصر حامد أبو زيد يعني الكتابة عن البشرية و خير البشرية، عزائي فيك يا دكتور أبو زيد أنك تركت للبشرية إرثاً أخلاقياً و فكرياً تكفينا ما بقينا على وجه الأرض، و عزائي أنني إلتقيتك ولو لمرة واحدة، لكنني إستفدت قدرة قراءة عشرات الكتب.
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته